الحسين ولد مدو يودّع وزارة الثقافة برسالة شكر وعرفان ويستعرض حصيلة سنتين من العمل

نص الرسالة التي نشر الدكتور الحسين بعيد تسليمه المهام لخلفه

الزمان أنفو (نواكشوط): في السادس من أغسطس 2024، شرفني صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بالتعيين وزيرًا للثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، ناطقًا رسميًا باسم الحكومة.
وعلى مدى السنتين الماضيتين، وفي إطار حكومة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد اجاي، عملت، بمعية أطقم القطاع، على تنفيذ برنامج «طموحي للوطن» في مجالات اختصاصات الوزارة، استنادًا إلى الرؤية التي أرساها فخامة رئيس الجمهورية، والقائمة على ترقية الثقافة الوطنية وصون هويتها الأصيلة بتنوعها، وتعزيز حرية الإعلام ومسؤوليته ومهنيته، وترسيخ مكانة البرلمان وتمكينه من أداء أدواره الدستورية بكل استقلالية.
وقد انطلق العمل تجسيدًا لهذه الرؤية، وتنفيذًا لإعلان السياسة العامة للحكومة ورسالة التكليف الحكومي وخطة الوزارة السنوية، بدعم مقدر وتوجيه سديد من فخامة رئيس الجمهورية، ومواكبة صادقة من معالي الوزير الأول، ومؤازرة مستمرة من أطر الوزارة وعمالها.
ولم تكن الحصيلة المتحققة إلا ثمرة عمل جماعي اتسم بالجدية والتفاني والالتزام والتضحية في خدمة الوطن؛ وهو ما يجعلني أتقدم بخالص الامتنان والعرفان إلى جميع المديرين والأطر والعاملين في القطاع.
أولًا: في المجال الثقافي
شهد القطاع خلال هذه المرحلة خطوات مهمة، من أبرزها وضع أول سياسة ثقافية وطنية، وتوسيع النشاط الثقافي خارج العاصمة، وإطلاق ديناميكية لدمقرطة الفعل الثقافي وتوسيع دائرة المستفيدين منه، وتشجيع الإبداع واكتشاف المواهب الشابة وإبراز التراث الوطني بمختلف روافده.
وقد حفزت هذه الديناميكية عشرات الفاعلين الثقافيين على تنظيم مئات المهرجانات والفعاليات في مختلف مدن البلاد خلال السنتين المنصرمتين، بما أسهم في تنشيط الحياة الثقافية وتأثيث العطل الصيفية واستكشاف المقدرات الثقافية للمدن الداخلية.
وعلى مستوى البنية التحتية، استُكملت الدراسات المتعلقة بقصر الثقافة في نواكشوط، بوصفه فضاء وطنيًا كبيرًا للعروض والأنشطة الثقافية، كما استُكملت الدراسات وتعبئة الموارد اللازمة لبناء خمسة عشر فضاءً ثقافيًا متعدد اللغات في عواصم الولايات، وأُطلق برنامج تعميم المتاحف، واستُكملت أعمال بناء وترميم متاحف شنقيط ولعيون، وبدأ العمل على متحف كيهيدي.
كما شملت الجهود إقامة القرى التراثية في وادان ومكسم بن عامر وتيشيت، وتعزيز حماية الذاكرة الوطنية وصون التراث المادي وغير المادي، والعمل على تسجيل مواقع ومكونات من التراث الموريتاني ضمن قوائم التراث الدولية والعربية والإسلامية، واعتماد المديح النبوي ضمن التراث الإسلامي.
وفي إطار الدبلوماسية الثقافية، اكتملت إجراءات استعادة مكتبة العلامة محمد محمود ولد التلاميد من القاهرة، واستعادة لوحة «لاميديز» للفنان جبريكو من فرنسا، كما أُعدت برامج للأسابيع الثقافية الموجهة إلى جالياتنا في المدينة المنورة وساحل العاج وإسبانيا وفرنسا والسنغال.
وشهدت هذه المرحلة تنظيم الأسبوع الوطني للثقافة والفنون في جميع عواصم الولايات في نسختين، وإطلاق برنامج لترقية النشر والتأليف، يعنى بتحقيق أمهات الكتب الموريتانية ونشرها وتوزيعها، وتشجيع الكتاب والمؤلفين.
كما استؤنف البحث الأركيولوجي في آزوكي بعد انقطاع دام خمسة عقود، وأُعدت الدراسات اللازمة للعمل على تسجيل أوداغست وكومبي صالح ضمن قائمة التراث العالمي.
ومن بين المكاسب المهمة تنظيم أول معرض دولي للكتاب في نواكشوط تحت اسم «رفوف الصحراء»، وإدراجه ضمن التظاهرات الثقافية المستدامة، مع التحضير لنسخته الثانية المقررة بعد شهرين.
وشهد مهرجان مدائن التراث تطويرًا لمكوناته العلمية والفنية والتنموية، وتعزيزًا لحضوره ومضامينه، إلى جانب إقامة شراكات دولية ومشاريع لحماية تراث المدن القديمة بالتعاون مع إسبانيا وتركيا، والعمل على إقامة الحظائر الثقافية في تكانت وآدرار.
كما تمت مضاعفة الدعم المخصص للهيئات والفعاليات والمهرجانات الثقافية، واستحداث يوم وطني للتنوع يُخلد في الأول من مارس من كل سنة، ومضاعفة دعم جمعيات ترقية اللغات الوطنية.
وتعزز التعاون الثقافي مع عدد من الدول والمنظمات، بالتوازي مع التحضير لاحتفاء موريتانيا باختيارها عاصمة للثقافة العربية سنة 2027، ودعم حضور الأطر الموريتانية في قيادة المؤسسات الثقافية العربية والإسلامية.
وفي السياق نفسه، أُرسيت سياسة اجتماعية تراعي أوضاع المثقفين والفنانين والمفكرين والأدباء والإعلاميين، من خلال الرعاية والعناية والتكفل والتكريم، تجسيدًا لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية.
وعلى الصعيد الدولي، سجلت موريتانيا حضورًا ثقافيًا ودبلوماسيًا لافتًا في عدد من المنتديات والمؤتمرات والمعارض الدولية، بما في ذلك الأسبوع العربي والأسبوع الإفريقي لدى اليونسكو.
كما انتُخبت بلادنا نائبًا لرئيس مجلس وزراء الإعلام العرب وعضوًا في اللجنة الحكومية الدولية لليونسكو المكلفة بتنفيذ اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي.
ومثلت موريتانيا الاتحاد الإفريقي، للمرة الأولى، في اجتماعات وزراء الثقافة لمجموعة السبع الكبرى بإيطاليا، كما مثلت الاتحاد في اجتماع وزراء الثقافة لمجموعة العشرين بمدينة سلفادور باهيا في البرازيل، فضلًا عن رئاسة وعضوية لجان عليا للتعاون وتوقيع اتفاقيات ثقافية مع عدد من البلدان.
ثانيًا: في مجال الفنون
شهد قطاع الفنون إعادة هيكلة هدفت إلى تعزيز مكانته ضمن المنظومة الثقافية، من خلال تخصيص إدارة مركزية للفنون، وإنشاء مجلس مهنيي الفن، والتحضير لإطلاق الجوق الوطني التابع للمعهد الوطني للفنون.
كما تم تأمين مشاركة الفنانين الموريتانيين في عدد من المهرجانات الدولية، ودعم الفعاليات الفنية، وإطلاق أول مهرجان وطني للموسيقى، وتنظيم نسختيه في نواكشوط والنعمة، والتحضير لنسخته الثالثة في كيهيدي.
ثالثًا: في مجال الإعلام والاتصال
حقق القطاع تقدمًا في عدد من الملفات الهيكلية، من أبرزها استكمال إصلاحات تنظيم المهنة، وإصدار مرسوم الصحفي المهني، وتعزيز الإطار القانوني للصحافة المهنية، وإنشاء لجنة منح البطاقة الصحفية وإصدار البطاقة، بما يعزز المعايير المهنية والتنظيمية ويدعم التنوع والتحول الرقمي.
وعلى المستوى الاجتماعي، نُفذت توجيهات فخامة رئيس الجمهورية بشأن تسوية أحد أكبر الملفات البنيوية التي عرفها القطاع منذ أربعة عقود، من خلال ترسيم 1865 من المتعاونين في مؤسسات الإعلام العمومي، في أكبر عملية تسوية من نوعها، شملت نحو ثلثي العاملين بهذه المؤسسات، وأسهمت في تأمين الاستقرار المهني والاجتماعي لأكثر من 13 ألف شخص.
وقد ظل هذا الملف مطروحًا لعقود، قبل أن يقرر فخامة رئيس الجمهورية حله بصورة نهائية ومستديمة وعادلة، ويوجه الحكومة بتنفيذه الفوري.
وفي سياق متصل، تمت مضاعفة المبلغ المخصص لصندوق الدعم العمومي للصحافة الخاصة، ليصل إلى 400 مليون أوقية قديمة.
كما توسعت شبكة محطات الإذاعة والمكاتب الجهوية للتلفزيون والوكالة الموريتانية للأنباء، وتعززت قدرات شركة البث الإذاعي والتلفزيوني وسعاتها، وأُطلق البث التلفزيوني الأرضي، وافتُتحت منصة اللغات الوطنية بالوكالة الموريتانية للأنباء، ورُوجعت المساطر البرامجية لوسائل الإعلام العمومي بما يعزز إعلام القرب والانفتاح السياسي والحضور الرقمي.
وشهد حضور اللغات الوطنية تطورًا ملحوظًا في البرامج الإعلامية، بالتوازي مع تعزيز إعلام المواطنة والقرب وترسيخ قيم المواطنة والوطنية.
كما تعزز حضور التراث الوطني بتنوعه، فبعد اعتماد المحظرة، اعتُمدت ملحمة «صانبا كالادوو» ضمن التراث العالمي لليونسكو، وأُعلن عن اعتماد السوننكية لغة عابرة للحدود، وتحديد الخامس والعشرين من سبتمبر يومًا عالميًا للاحتفاء بها.
وشملت الإنجازات إطلاق إذاعات ناطقة باللغات الوطنية، وبناء وتشغيل محطات إذاعية في مناطق الصمت والمناطق الحدودية، وتوسيع حضور اللغات الوطنية في المشهد الإعلامي العمومي.
واكتملت إجراءات انضمام موريتانيا إلى مبادرة الحريات الصحفية، وحققت البلاد مراكز متقدمة في مؤشرات حرية الصحافة، بما يعكس الجهود المبذولة لتعزيز حرية الإعلام وترسيخ مسؤوليته ومهنيته.
رابعًا: في مجال العلاقات مع البرلمان
حرص القطاع على تنظيم علاقاته مع البرلمان في احترام صارم لمبادئ استقلال السلطات والفصل بينها، مع تعزيز التعاون والتكامل والانسيابية في معالجة الملفات المشتركة.
وشملت الجهود تحسين متابعة مشاريع القوانين المحالة إلى البرلمان خلال الدورات التشريعية، ومواكبة الأسئلة الشفهية والكتابية المبرمجة، وتعزيز الدور البرلماني في الرقابة والدبلوماسية البرلمانية، وفتح فضاءات للتواصل والحوار من خلال ورشات العمل.
وقد انطلق هذا العمل من قناعة راسخة بأن استقلال البرلمان ومكانته الدستورية يمثلان أساسًا لعمل مؤسسي متوازن وفعال.
خامسًا: في مجال النطق الرسمي باسم الحكومة
اضطلع القطاع بدور محوري في شرح السياسات العمومية والدفاع عن الخيارات الوطنية الكبرى الواردة في برنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، «طموحي للوطن».
وعمل على نقل حصيلة الإنجازات والإصلاحات إلى الرأي العام بوضوح وتفصيل، والتعبير عن الانشغالات والتحديات بصدق وانفتاح، بما يسهم في تعزيز التواصل بين الحكومة والمواطنين.
وقد استندت المقاربة المعتمدة إلى الشرح والإقناع والحوار المسؤول، والانفتاح البناء على المواطنين والإعلاميين، وتعزيز حق الرأي العام في الاطلاع على السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها.
سادسًا: في مجال التنظيم الجمعوي والمؤسسي
شهدت هذه المرحلة تفعيل ومواكبة المؤسسات الثقافية والنقابية التابعة للقطاع، وتنظيم مؤتمراتها العامة في أجواء توافقية وتنافسية، بما أسهم في معالجة اختلالاتها وتمكينها من استعادة أدوارها وفق القوانين والنظم المعمول بها.
وفي هذا الإطار، تم تجديد المؤتمرات العامة لكل من اتحاد الموسيقيين الموريتانيين، والمكتب الوطني للرماية التقليدية، واتحاد الكتاب والأدباء الموريتانيين، واتحاد الأدب الشعبي الموريتاني، ونقابة الصحفيين الموريتانيين.
وقد مكنت هذه العملية الهيئات المعنية من تفعيل أدائها وتعزيز مساهمتها في خدمة المنتسبين إليها، بعد تجاوز عدد من الإشكالات التي كانت تعترض عملها.
كما تم تفعيل أداء المفتشية الداخلية للوزارة، ووضع خطط سنوية للتفتيش شملت المؤسسات التابعة للقطاع، مع إحالة تقارير التفتيش إلى المفتشية العامة للدولة، تعزيزًا للرقابة وترسيخًا لمبادئ الحكامة والشفافية.
شكر وامتنان وتطلع إلى المستقبل
في ختام هذه المرحلة، لا يسعني إلا أن أجدد شكري وامتناني لصاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على الثقة التي شرفني بها، وعلى إتاحة الفرصة لي للمساهمة في وضع لبنة من لبنات البناء الوطني وتنفيذ برنامجه الطموح «طموحي للوطن».
كما أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، على مواكبته الصادقة وتسهيله المستمر للعمل الحكومي، وإلى جميع أطقم الوزارة من ديوان وإدارات مركزية ومؤسسات إعلامية وثقافية، على ما بذلوه من جهود نوعية وتفانٍ مشهود أسهما في تحقيق هذه المكاسب.
إن ما تحقق لا يعدو أن يكون عتبة من عتبات تطوير القطاع، وهي عتبة لا تتعالى على النواقص ولا تحجب التحديات القائمة، ولا يضاهي اعتزازنا بما أُنجز تطلعُنا إلى معالجة ما بقي من اختلالات، ومواصلة مواكبة البرنامج الرئاسي، والاستجابة للتطلعات المشروعة لمواطنينا في مزيد من تطوير الحقلين الثقافي والإعلامي.
ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أتقدم بالتهنئة وصادق التبريكات إلى زملائي السابقين على ما قدموه من مساهمات نوعية في تجسيد برنامج فخامة رئيس الجمهورية، كما أتوجه بأصدق التهاني إلى معالي وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، الأستاذ محمد ولد بابانا، بمناسبة الثقة التي وضعها فيه فخامة رئيس الجمهورية وتكليفه بإدارة هذا القطاع الحيوي.
وإنني على قناعة تامة بكفاءته المقدرة ومؤهلاته المشهودة، وبقدرته على الاضطلاع بالمهام المسندة إليه، وتعزيز الجهود الرامية إلى تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، وترقية ثقافتنا وفنوننا، وتطوير إعلامنا، وتعزيز الانفتاح على المواطنين والإعلاميين في مجال النطق الرسمي باسم الحكومة، وترسيخ مبادئ الاستقلال والتكامل والانسيابية في التعاطي مع البرلمان.
وفق الله السعي، وبارك القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى