تحت أضواء الذكاء الاصطناعي: الدكتور محمد ولد محمد الحسن.. التزام فكري ومؤسسي لصالح الرئيس الغزواني وموريتانيا
متابعة: محمدعبدالله

الزمان أنفو (نواكشوط):
مقدمة: إعادة بناء الالتزام انطلاقًا من الوقائع
لا يمكن أن يقتصر تحليل أشكال الدعم السياسي المقدَّم للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، منذ وصوله إلى السلطة عام 2019، على تصريحات الأحزاب والتحالفات الانتخابية ومواقف الشخصيات العامة؛ بل ينبغي أن يشمل أيضًا المساهمات الفكرية، والمقترحات المؤسسية، والدراسات التحليلية، والمبادرات الرامية إلى مواكبة العمل الرئاسي.
وفي هذا السياق، يبرز مسار الدكتور محمد ولد محمد الحسن وأنشطة المعهد الدولي للبحوث والدراسات الاستراتيجية (2IRES) بوصفهما موضوعًا يستحق الدراسة والتوثيق.
وتكشف المنشورات المتاحة على موقع «كريدم» عن أشكال متعددة من هذا الالتزام، تشمل التفكير السياسي، وتقديم المقترحات إلى المسؤولين العموميين، وتحليل السياسات الاقتصادية، والدفاع عن الاستقرار المؤسسي، فضلًا عن الدعم المعلن للترشح الرئاسي.
وتسعى هذه القراءة إلى تتبع طبيعة هذا الالتزام واستمراريته، واستجلاء المساهمات التي يُحتمل أن يكون قد قدمها صاحبه والمعهد الذي يقوده للنقاش العام وصياغة السياسات في موريتانيا.
ومن الضروري، منهجيًا، التمييز بين المواقف التي أعلنتها المؤسسة، والمبادرات التي تقول إنها قدمتها إلى السلطات، والنتائج التي يمكن إثبات ارتباطها بتلك المبادرات من خلال الوثائق الرسمية والشواهد المستقلة.
أولًا: عام 2019.. مساهمة في النقاش السياسي والتفكير في مستقبل الدولة
يمثل عام 2019 نقطة انطلاق أساسية لفهم السياق السياسي الذي تبلور فيه هذا الالتزام.
ففي الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية المقررة في 22 يونيو من ذلك العام، كانت موريتانيا أمام استحقاق سياسي مهم يتعلق بانتقال السلطة، والحفاظ على الاستقرار، وضمان استمرارية المؤسسات.
وفي أرشيف موقع «كريدم» منشور بعنوان «الكتاب الأبيض للمرشح الغائب»، أُعلن عن صدور جزئه الثاني في 10 يونيو 2019، ضمن منشورات المعهد الدولي للبحوث والدراسات الاستراتيجية (2IRES)، بتوقيع الأستاذ محمد ولد محمد الحسن.
وتناول العمل، وفق المعلومات المتاحة، إشكالات النقاش السياسي والمخاطر المرتبطة بالمواجهات بين الفاعلين الوطنيين.
وتكمن أهمية هذا المنشور في أنه يوفر مدخلًا وثائقيًا لدراسة تصورات صاحبه بشأن طبيعة الحياة السياسية، وإدارة الخلاف، ومستقبل المؤسسات الوطنية عشية الانتخابات الرئاسية.
غير أن تحديد طبيعة الصلة بين هذه الأفكار وبرنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يتطلب الاطلاع على النص الكامل للكتاب، وتحليل مقترحاته، وتحديد الجهات التي وُجهت إليها، ومقارنتها بالبرنامج الانتخابي للرئيس.
المصدر: أرشيف موقع «كريدم»، منشور متعلق بـ«الكتاب الأبيض للمرشح الغائب».
وبذلك، تتيح هذه المرحلة وضع الالتزام الفكري في سياقه التاريخي، دون افتراض نتائج أو علاقات مباشرة لم تثبتها الوثائق بعد.
ثانيًا: دعم الترشح الرئاسي.. من الموقف المعلن إلى العمل الفكري المنظم
تقدم رسالة مفتوحة منشورة على موقع «كريدم» في 15 سبتمبر 2025 معطيات مهمة بشأن طبيعة الدعم الذي يقول الدكتور محمد ولد محمد الحسن إن معهده قدمه للرئيس الغزواني.
ففي الرسالة الموجهة إلى رئيس الجمهورية، يشير إلى أن المعهد أعد، خلال الحملة الرئاسية لعام 2024، منشورات خُصصت للعهدة الرئاسية الأولى، مع توزيع مجاني لها.
ويذكر أن عنوان أحد الكتب ومضمونه صُمما خصيصًا لدعم ترشح الرئيس المنتهية ولايته ومساندته.
كما يتحدث عن إنتاج تحريري شمل خمسة كتب وآلاف الصفحات وعددًا كبيرًا من المقالات.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من كونها إعلانًا صريحًا عن دعم فكري منظم للترشح الرئاسي، يتجاوز حدود المساندة اللفظية إلى العمل في مجال التأليف والنشر وتقديم قراءة داعمة للحصيلة الرئاسية.
ومع ذلك، فإن التقييم الموضوعي لحجم هذا الجهد ومضمونه وتأثيره يظل مرتبطًا بإتاحة الكتب المشار إليها، وفحص محتوياتها، والتحقق من أعداد النسخ المطبوعة والموزعة والجهات التي وصلت إليها.
المصدر: موقع «كريدم»، «رسالة مفتوحة إلى العناية السامية لفخامة رئيس الجمهورية»، 15 سبتمبر 2025.
ثالثًا: مواكبة العمل الرئاسي من خلال مقترحات عملية
لا يتجسد الالتزام الفكري والسياسي في دعم مرشح أو الدفاع عن حصيلته فحسب؛ فقد يتخذ أيضًا صورة مقترحات تستهدف معالجة أزمات وطنية أو تطوير آليات العمل العام.
وفي هذا الإطار، يستعرض منشور على موقع «كريدم» بتاريخ 29 أكتوبر 2025 عددًا من المبادرات التي يقول معهد 2IRES إنه قدمها إلى السلطات الموريتانية.
1. مقترح إنشاء صندوق لمواجهة جائحة كوفيد-19
بحسب المنشور، اقترح المعهد على الرئيس الغزواني إنشاء صندوق مخصص لمواجهة جائحة كوفيد-19 ومساعدة السكان المتضررين من تداعياتها.
وكان التصور المقترح يقوم على مساهمة الدولة والشركاء الخارجيين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين الوطنيين في تمويل آلية للتدخل ومساندة الفئات المتضررة.
ويؤكد المعهد أن مقترحه حظي بالقبول، وأن الصندوق أُنشئ وفقًا للتصور الذي قدمه.
وإذا أمكن تأكيد هذه الرواية من خلال المراسلات الأصلية والوثائق الإدارية والقرارات الرسمية، فستشكل الحالة مثالًا مهمًا على إمكانية انتقال المقترحات الصادرة عن مؤسسات البحث والدراسات إلى مجال السياسات العامة.
لكن إثبات هذه الصلة يقتضي تحديد تاريخ تقديم المقترح، والجهة التي تسلمته، ومقارنته بالصيغة الرسمية للصندوق وآليات إنشائه وتسييره.
2. مقترح آلية دائمة للتضامن مع ضحايا الكوارث
يشير المنشور نفسه إلى أن المعهد اقترح تخصيص الأرصدة المتبقية، إن وجدت، من الصندوق لتمويل آلية أوسع لمساعدة السكان المتضررين من الكوارث.
وتشمل المخاطر التي أشار إليها الفيضانات والجفاف والطوارئ الصحية.
ويعكس هذا التصور توجهًا نحو التفكير في استدامة أدوات التضامن الوطني، بدل حصرها في الاستجابة المؤقتة لأزمة بعينها.
كما يطرح أسئلة مهمة تتعلق بتمويل الوقاية من الكوارث، وآليات التدخل السريع، وتنسيق الجهود بين الدولة وشركائها، وضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر تضررًا.
المصدر: موقع «كريدم»، «تذكير بمقترحات معهد 2IRES ودعوة إلى العمل العاجل للسلطات الوطنية»، 29 أكتوبر 2025.
رابعًا: بين الدعم السياسي ومتطلبات الحكامة
من الجوانب الجديرة بالاهتمام في تجربة الدكتور محمد ولد محمد الحسن العلاقة بين المساندة السياسية المعلنة للرئيس الغزواني، والاشتغال على قضايا الحكامة والإصلاح الاقتصادي والمؤسسي.
فمنشورات معهد 2IRES، وفق المواد المشار إليها، لا تقتصر على الدفاع عن الرئيس أو تثمين حصيلته، بل تتناول أيضًا قضايا اقتصادية ومالية، وتقترح إصلاحات، وتثير تساؤلات بشأن تسيير المال العام وأداء المؤسسات.
وتساعد هذه الأبعاد على فهم طبيعة الالتزام الذي يعلنه المعهد؛ إذ يمكن أن تتعايش المساندة السياسية مع تقديم مقترحات إصلاحية والتنبيه إلى اختلالات محتملة في الإدارة العامة.
غير أن هذا الاستنتاج يحتاج إلى قراءة متأنية للوثائق، وتحديد ما إذا كانت المقترحات قد أُحيلت رسميًا إلى الجهات المختصة، وما إذا كانت السلطات قد أخذت بها، وما النتائج التي يمكن إسنادها إليها.
فوجود دراسة أو توصية لا يثبت، بمفرده، أنها أثرت في قرار حكومي؛ كما أن إعلان المؤسسة عن تقديم مقترح لا يغني عن البحث عن المراسلات والقرارات والشواهد المستقلة التي تؤكد مساره.
خامسًا: استمرارية الالتزام بعد الانتخابات الرئاسية
لا تتوقف المؤشرات التي يستند إليها هذا الملف عند الحملة الانتخابية لعام 2024، بل تمتد إلى مواقف منشورة خلال عام 2025.
ففي بيان مؤرخ في 19 سبتمبر 2025، عبّر معهد 2IRES عن موقف داعم لتوجه صادر عن الديوان الرئاسي، وأكد أهمية الحفاظ على الاستقرار السياسي، وتثمين مكتسبات العهدة الأولى، وتوجيه العمل الحكومي نحو تحقيق النتائج.
ويشير ذلك إلى استمرار حضور المعهد في النقاش العام المتعلق بالرئاسة والحكامة والاستقرار المؤسسي بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي.
لكن توثيق هذا الاستمرار يختلف عن قياس أثره؛ فالأول يمكن الاستدلال عليه بتتابع المنشورات والمواقف، بينما يحتاج الثاني إلى شواهد إضافية تكشف مدى تفاعل السلطات مع مقترحات المعهد أو اعتمادها.
المصدر: موقع «كريدم»، «بيان معهد 2IRES»، سبتمبر 2025.
سادسًا: ماذا تثبت الوثائق المتاحة؟
يمكن، في ضوء المواد المشار إليها، استخلاص أربع نتائج أولية:
أولًا: أن الدكتور محمد ولد محمد الحسن ومعهد 2IRES قدما، وفق منشوراتهما، أعمالًا تحليلية ومقترحات تتعلق بالحكامة والاقتصاد والسياسات العامة.
ثانيًا: أن مسؤول المعهد أعلن صراحة عن دعم فكري للترشح الرئاسي لعام 2024، مستندًا إلى منشورات قال إنها أُعدت لعرض حصيلة العهدة الأولى ومساندة ترشح الرئيس.
ثالثًا: أن المعهد نسب إلى نفسه تقديم مقترحات تتعلق بمواجهة جائحة كوفيد-19، وبإنشاء آليات أوسع للتضامن مع السكان المتضررين من الكوارث، وهي ادعاءات تستحق التحقق من خلال الوثائق الأصلية والسجلات الرسمية.
رابعًا: أن منشورات المعهد خلال عام 2025 تشير إلى استمرار اهتمامه بقضايا الاستقرار السياسي والحكامة وإدارة الشأن العام، بما يتجاوز الفترة الانتخابية.
خاتمة: التزام معلن يحتاج إلى استكمال التوثيق
تكشف هذه المعطيات عن تجربة تجمع بين النشاط الفكري والبحث الاستراتيجي والمساندة السياسية المعلنة، وتضع الدكتور محمد ولد محمد الحسن ومعهد 2IRES ضمن الشخصيات والمؤسسات التي تستحق دراسة دورها في النقاش العام الموريتاني خلال السنوات الأخيرة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الملف لن تتحدد بحجم المنشورات أو قوة العبارات المستخدمة في وصف التجربة، وإنما بمدى القدرة على توثيق المبادرات، ومقارنة المقترحات بالقرارات التي صدرت لاحقًا، وتحديد ما تحقق منها على أرض الواقع.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى استكمال البحث في أرشيف المعهد، والحصول على النسخ الكاملة من الكتب والمقالات، والتحقق من المراسلات الرسمية ذات الصلة، ومقارنة مقترحاته بالسياسات الحكومية المعتمدة.
إن دراسة هذا المسار لا تستهدف الاكتفاء بإثبات المساندة السياسية، بل تسعى إلى الإجابة عن سؤال أوسع: إلى أي مدى يمكن للفكر والبحث الاستراتيجي أن يتحولا إلى مساهمة مؤسسية ملموسة في دعم الاستقرار وتحسين الحكامة وخدمة المصلحة الوطنية؟
ذلك هو السؤال الذي يمنح تجربة الدكتور محمد ولد محمد الحسن بعدها الفكري والمؤسسي، ويجعل استكمال توثيقها خطوة ضرورية لفهم العلاقة بين النخب الفكرية ومراكز الدراسات ومؤسسات الدولة في موريتانيا.
ملاحظة تحريرية قبل النشر: التواريخ وعناوين منشورات «كريدم» .


