قراءة في مقابلة لوبنيونL’Opinion

(الزمان): ـ من المعلوم أن المقابلة السياسية إذا تمت عبر وسائل إعلامية مرموقة، ذات سمعة كبيرة ويقوم بإجرائها صحفيون لامعون لهم صيتهم ومكانتهم في المشهد الإعلامي الدولي، تعتبر بدون شك نقلة كبيرة ومرحلة هامة في تاريخ صاحبها السياسي، رئيسا كان أو ملكا أو أميرا أو زعيم حزب أو قائد تيار أو رأس حربة حراك معتبر.

ولا شك أن ما تدلي به تلك الشخصية المحورية خلال زمن تلك المقابلة هو بمثابة شهادة باقية له أو عليه تعرضه للمساءلة التاريخية أو ترفعه إلى مصاف المؤثرين إيجابيا وتدريجيا في تاريخ ومسار بلدانهم ومنطقتهم والعالم. وهو الحدث كذلك الذي لا مندوحة عنه فقد دون به التاريخ أسماء الرجال في موسوعات العالم وقواميسه علما بأن التاريخ لا ينكر أقدارهم ولا يقف لهم على لون أو حجم أو انتماء دون الإنسانية وإن سجل أسماءهم بأحرف من ذهب وحدد موقعهم الجغرافي بالاسم فإنما يكون ذلك للارتقاء ببلدانهم وإنصافها لإنجابها إياهم للبشرية.  

والمقابلة هي محادثة أو حوار موجه تقوم به جهة صحفية مهنية وتنتهج الحياد مع شخصية مختارة بغرض تسليط الضوء على جملة من القضايا الهامة التي لها هي بها صلة عضوية وتتحدد معها فيها أمور مصيرية كبيرة وتأثيرات على محيطها وأبعد بالغة واستجماع المعلومات اللازمة للغاية منها عبر الحوار الذي يتم بطرح الأسئلة واستقبال الردود الفورية عليها.

من هنا فقد شكلت المقابلة التي أجرتها يومية “لوبنيون l’Opinion” الفرنسية الشهيرة في عددها رقم 764 الصادر بتاريخ الاثنين مايو 2016 مع الرئيس محمد ولد عبد العزيز محطة تحول في الحوار حول جملة الأحوال التي تشكل ملخص الاهتمامات والقضايا الكبرى كالوضع الأمني والحراك السياسي والوضع الاجتماعي والحالة الاقتصادية في موريتانيا. وكانت الصحيفة الفرنسية صنفت بحرفية عالية أسئلة المقابلة تصنيفا بدأ بالمسألة الأمنية على الحدود وتدرج إلى غاية الأسئلة المتعلقة بمسألة تغيير الدستور وإعفاء المؤسسية الدستورية من مجلس الشيوخ وقضية الحوار، مرورا بقضية الحقوقي برام ولد ولد الداه ودواعي سجنه ومبررات إطلاق صراحه.

وبقدر ما أبهرت المقابلة أهل الموالاة وداخل بعض جهات المجتمع المدني، فإنها قد صدمت بصراحتها غير المألوفة وشفافيتها غير المسبوقة او غير المتوقعة من لدن البعض من معظم التيارات السياسية على اختلاف مواقفها وتوجهاتها في مرحلة كان الوضع السياسي بدأ يأخذ فيها منعطفا جديدا ويشهد تعبيرات ملامح جديدة بين:

·        موالاة متمسكة بثوابتها، ·        ومعارضة محاورة لم تغير من طبعها المهادن والمطالب بحضور أكبر في تسيير الشأن الوطني، ·        ومعارضة متشددة اهتزت في بعض أطرافها من دون أن تغير في جوهر خطابها.

ولما كانت الأسئلة مستقلة، مباشرة، مستفسرة بمهنية عالية وحرية متوازنة وشاملة، فقد كانت الإجابات متوالية وتلقائية ولم تعدم جانبا ملحوظا من الصراحة والتماسك، طبع البعض منها المتعلق بالشق الأمني على الحدود نوعا من الديبلوماسية والمرونة. فحيثما أرادت الأسئلة سبر الموقف من العملية الفرنسية في مالي وتسليط الضوء على ما يبدو أنه نوع من التعارض كالسؤال “هل ترون ما يبرر إبقاء الخارجية الفرنسية لموريتانيا ضمن ما يسمى بالمنطقة الحمراء؟”، جاءت الردود هادئة، متوازنة ونافية لتعارض في مواقف دولتين يطبع كل منها مبرراته الموضوعية التي تنبع من استقلاليتها، ما لم تكن داعية لتعارض وصدام. ولم يفوت الرئيس الفرصة في الرد على السؤال “تعرضت موريتانيا سنتي 2005 و2009 إلى هجمات جهادية. ترى ما هي الوضعية الأمنية الحالية للبلد؟” ليكشف من خلال الإجابة عن المستوى العالي الذي حققته موريتانيا في مجال أمنها حيث تمكن جيشها، الذي عرف تطورا نوعيا في العتاد والسلاح وتكوين الرجال، من تطهير داخل البلد بعدما كان مجالا سهلا للمسلحين من كل الحركات المسلحة وتجار المخدرات والأسلحة والبشر، ومن بعد تأمين تخومها بشكل غير مسبوق.

وكان الرد على السؤال المعلق بالتعديل الدستوري الذي كان موضع اهتمام وجدال بين الأغلبية القائلة بنية النظام القيام به والأغلبية المنسجمة مع عدم القول به من طرف رئيس الجمهورية جاء الرد على السؤال في صيغته ” هل تعتزمون تغيير الدستور؟ ” على نحو صريح ” لم أقل قط إنني سأغير الدستور. سبق لي أن أديت قسمين على احترام الدستور وهذه أقوى بكثير مما يمكنني قوله في المستقبل”. وعن الحوار الذي كان السؤال حوله ” لماذا تدعون المعارضة إلى الحوار؟ جاء الرد كما يلي “أسعى لجعل المعارضة تشارك في الحوار السياسي. هناك أحزاب كثيرة قاطعت الانتخابات الأخيرة. فمن المهم مشاركة الجميع لترسيخ الديمقراطية في البلد. كل الحريات مصانة ولا يوجد لدينا سجناء سياسيون”.

وبهذا تكون المقابلة قد أزاحت بعض الظلال عن جملة من المسائل الحادة، ووضعت للحوار المطلوب بشدة جديد إشارات مرور بارز علامات مسار تمنح فرصة جديدة لمراجعة المواقف في المعارضة المحاورة والمعارضة المتشددة وفي الموالاة بكل طيفها المتابين في قوة الحضور ونضج الخطاب.

فهل يقبل الطيف السياسي أن يكون في منعطف ينطق بالتهدئة يرفع فيه الجميع ثقل التكلف ومرارة اصطناع المواقف البعيدة عن المصلحة العليا للبلد والتي لا تبين عن رغبة الابتعاد عن اعتبارات مقيدة من زمن ولى ورفض النظر بعمق وسلامة فهم للواقع والامتناع عن الاختلافات المزمنة التي ترمي بشرر وتحجب عن الأجيال أنوار العصر وإمكانات التحول الإيجابية الهائلة التي يتيحها؟

 

الولي ولد سيدي هيبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى