نصيحة مشفق

بقلم: عبد الفتاح ولد اعبيدن

( الزمان انفو ): الوطن بحاجة لأبنائه في كل وقت، وبوجه خاص في هذه الفترة الحالية.

فسهولة الزج بالصحفيين في السجون، وصعوبة مواجهة الإشكالات الحقيقية، وتجدد مخاوف الصحفيين والسياسيين عموماً من التطرق الصريح والجاد لمختلف المواضيع؛ كلها ملامح مرحلة جديدة لم تعد تخفى على أبسط متابع، فمن باب أحرى العارف بعمق الواقع الحالي المعيش.

وهذه معطيات، بغض النظر عن الموالاة والمعارضة، تستحق الحذر الكامل والتعامل الحكيم قبل أن تتطور الأمور في اتجاه غير محسوب.

فالقائمون على الشأن العام يطلقون بعض التصريحات المطمئنة، النظرية، في اتجاه مكافحة الفساد وتكريس تقارب الفرص، لكن الواقع القائم خلاف ذلك، ومنسوب الحريات في تناقص صارخ، وبات بعض المواطنين لا يستبعد الاستهداف والحرمان، على منوال ما يحدث من حين لآخر.

والظلم، وعدم الأمان على الكرامة والحرية، من أكبر أسباب عدم الاستقرار، مع ما يعيشه الكثيرون من الغبن والتفاوت. فهل نسعى بصورة جادة واستعجالية لمعالجة هذه الأوضاع قبل فوات الأوان المناسب؟!

إن تأمين الحريات، والعدل في تقسيم الكعكعة، ومهما حصل من تأخر في مجالات أخرى، قد يحصن التوازن نسبياً، لكن النزيف الحاصل في مجال حرية التعبير وحرية الصحافة منذ انطلاق المأمورية الثانية للرئيس الحالي يبعث على القلق والترقب، ويدعو المعنيين لمراجعة الأساليب التصعيدية المتبعة، التي ستعزز حتماً حالة التأزم.

وليعلم من يهمه الأمر أن سهولة توريط بعض الصحفيين، وصعوبة مواجهة بعض المتهمين بالفساد، والتضييق على أرزاق الناس على خلفية بعض الآراء، والاهتمام بإصلاح الطرق المعبدة في اتجاه، وإهمالها إهمالاً تاماً في اتجاه آخر؛ كل هذا وغيره يولد موقفاً متحفظاً من الوضع الراهن، وقد يعمق حالة الانسداد، ويكرس حالة السير نحو المجهول.

لم يكن نظام ولد غزواني في مأموريته الأولى بهذا المستوى من التضييق على الصحافة وسهولة حصارها. فهل يعمل على الوعي بأن الصحافة ليست جريمة، وأنه لن ينجح مطلقاً في حصارها مهما حصل من سجن وتضييق في القوت؟ كما أنني على ثقة بأن الرئيس غزواني وبعض قيادات نظامه ليسوا أعداءً للمهنة الإعلامية، لكنهم ضحية التحريض من قبل بعض من لا تروق له الحريات.

وسيظل سجني بسهولة، على مدار مرتين متتاليتين، مثار تساؤل مشروع ومحير: لماذا هذا الاستهداف؟ ولماذا هذا الإصرار على الإضرار العميق دون مبرر مقنع؟ أين حرمة المهنة الصحفية؟ وأين الحصانة المعنوية والقانونية والدستورية التي يتمتع بها الصحفي؟ ولماذا تتجاهل تجربتي ومنزلتي في هذا الوسط الإعلامي المفترض اعتباره وتوسيع الصدر له؟!

سُجنت يوم 28/8/2024، وأُقِلت من وظيفتي في نفس اليوم، ثم أُطلق سراحي يوم 23/9/2024. وقبل انقضاء سنة تم أيضاً سجني يوم 19/9/2025، وبعد قرابة ثلاثة أشهر تم إطلاق سراحي يوم الأربعاء 10/12/2025، وذلك بعد الإدانة. تُرى، ألا يُعتبر سجني بهذا الإصرار والتكرار استهدافاً للصحافة، وإضراراً بشخص له تجربة طويلة في الإعلام، ومسنٍّ لله الحمد، ويعاني من ظروف صحية خاصة؟

لم يعد في حسابهم إشفاق، رغم ما يعانون من عجز فاضح عن مكافحة الفساد. وشخصياً لست مقتنعاً بالتصعيد ضد هذا النظام، وحريص على تعميق ما هو موجود من استقرار، رغم المظالم والنواقص. لكنني أقول لهم: احذروا من الظلم إن قبلتم نصحي، فعاقبته وخيمة ووشيكة، لا قدر الله، إن لم تنتهوا وتعتذروا وتجبروا الخاطر. فقد تماديتم في الإهانة والاحتقار، والله ذو الطول والجبروت، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وستظل هذه الصورة ماثلة في أذهان الناس: عجز النظام عن مكافحة الفساد في الأوساط القوية، وسهولة متابعة الصحفيين ولو دون مبررات مفحمة، وعدم حصانة حرية التعبير، وعدم تحصين المال العمومي. وكل هذه المؤشرات تقدم حصيلة غير مشجعة، ينبغي مواجهتها بحزم وصراحة وعدالة ملموسة، قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى