نعم… سافرتُ معه/ عبدالقادر أحمدو

الزمان أنفو _ للتو، في طريقي من نواكشوط إلى اكجوحت، أتممتُ قراءة كتاب
«المحظرة الشنقيطية – حفريات في تاريخ التعليم الإسلامي في موريتانيا»
لصاحبه المغفور له بإذن الله الدكتور إزيدبيه محمدن الإمام، أحد أساتذة التعليم العالي الذين اختارهم الله إلى جواره في حادثٍ مفجع.
كنت قد تعرفتُ على الفقيد في أواخر مهمتي بالأكاديمية الدبلوماسية الموريتانية، ولمستُ فيه يومها حرصاً علمياً راقياً على المشاركة في الندوات المتعلقة بالدبلوماسية الدينية، والثقافية، والإسلامولوجيا. أهداني كتابه
حول المحظرة الشنقيطية
، فتصفحتُه آنذاك، واطلعتُ على خطته ومنهجيته، لكنني لم أقرأه بتمعن… حتى هذا السفر.
الغريب أن الكتاب بدا لي في مكتبتي عند المغادرة، كأنه يقول: خذني معك.في سفرك هذا ، فحملته، وأتممتُه غير بعيد.من موضع الحادث، فتحولت القراءة إلى مجلس عزاءٍ صامت، وتحولت الصفحات إلى شهادة تأبين.
يُقال: لكي تشهد لأحد بخصاله الحميدة، هل سافرتَ معه؟
وأقول اليوم: نعم، سافرتُ معه… في مقاعد الفكر، وبين صفحات المعنى.
في كتابه، لا يروي المؤلف تاريخ المحظرة باعتبارها مدرسة فحسب، بل باعتبارها مؤسسة حضارية شكّلت الإنسان الموريتاني، ووقفت في لحظة تاريخية طويلة موقف المقاومة الثقافية أمام صراع التعليم الأصيل والتعليم الذي أدخله المستعمر الفرنسي.
وقد كتبتُ ذات مرة أنني سمعت كثيراً من الأساتذة الجامعيين العرب والغربيين والمستشرقين الباحثين في الحضارة الإسلامية يثنون على خريجي المحاظر الموريتانية، ويعتبرونهم بمثابة شيوخ مكتملين. والحقيقة أن أجيالاً من خريجي المحاظر تميزت بعلمها وتعليمها الواسع، غير أن الخلافات السياسية غطّت هذه الميزة في سياق صراعٍ طويل مع التعليم الحديث الذي أدخله المستعمر الفرنسي.
ويورد المؤلف رحمه الله إحدى تجليات هذا الصراع في قصيدة العلامة محمد الفضل الوسري الحوضي ، التي مطلعها:
يا أيها الناس قولوا «نو» نصحتكم
ولتتركوا قول «وي» فقولها ندم
و كأنها جاءت من اقصى شرق البلاد لتؤكد.كاف ولد أعلي الادراري
وي نو الأخيارات والمخَيِّر ماه مغبون
وي محالية في الحسنات
ومحالية في الفِضَّه نون
درسٌ جميل في المقاومة الثقافية والحضارية، ختم به المؤلف رحمه الله كتابه بعد سرده لتاريخ التعليم المحظري المجيد وخصائصه الحمبدة … قبل ان يتلطخ التعليم كله بطغيان المادة وبحب المال حباً جمّاً.
رحم الله والدينا و موتانا و موتى المسلمين و رحم الدكتور إزيدبيه محمدن الإمام،
فقد رحل جسده، وبقي أثره…
وبقي سؤال المحظرة، وبقي سؤال الهوية، وبقي سؤال موريتانيا عن روحها….
عبد القادر ولد محمد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى