رياح التغيير و تباشير التجديد / الولي ولد سيدي هيبه

بدا الرئيس محمد ولد عبد العزيز واثقا من حضوره اللافت تمام الثقة طيلة المدة التي استغرقها لقاؤه التبادلي مع مئات الشبان و الشابات القادمين من كل أرجاء الدولة و الذي تم تنظيمه تحت شعار ” ملتقى الشباب.. أنتم الأمل” و احتضنت أحداثه مدرجات كلية الطب الواقعة ضمن مباني جامعة نواكشوط الجديدة و غطتها كل وسائل الإعلام الوطنية إلى جانب وسائل أخرى أجنبية.

كما أظهر الرئيس أيضا قدرة فائقة على تناول جل المحاور التي شكلت عريضة اللقاء و الحديث عن القضايا التي أثيرت و جرى حولها التبادل و تطلبت في مجمل أوجهها و خواتمها إيضاحات و استفسارات و تقديم أرقام و حسابات توضيحية و بيانية لازمة للتبرير عند اللزوم و رفع اللبس أحيانا أخرى عند الاقتضاء. كما لم يسجل أن تعمد الرئيس صرف النظر عن أي استشكال طرح أو استفسار طلب أو استفهام أثير، و لم يتلكأ في معرض الجواب عن أي سؤال ورد من محاوريه و لم تكن بالنتيجة الإجابات و الردود و المتعلقة بالاستفسارات التي صدرت عنه بأقل من أنها قد لامست بشكل أو بآخر و لو بتفاوت في القوة و الإقناع لب المسائل المطروحة و القضايا المثارة للتناول و التبادل حولها. و في المقابل، كان الشباب على حضوره الملحوظ بأعداد كبيرة شبه مقيد بمنطق أدائي أقرب ما يكون إلى الأداء المسرحي و لو أن عذره في ذلك ربما يكون في حقيقة الأمر كامنا في أن هذا اللقاء شكل بالنسبة إليه سابقة و في تاريخ البلد. و إن الحدة التي كان يبديها البعض منهم من جانب و الثقة الزائدة التي لامست عند البعض الآخر حد الخروج عن اللياقة من جانب ثان حملهما أداء شبيه بما تتصف به “البروفات” التي تقام في غياب الجمهور و تسبق بالطبع أداء التمثيل المسرحي الجاد على الخشبة من حيث الحفاظ على الرفع من وتيرة التمرن على النصوص و القدرة على الإسراع في أدائها بانسيابية ترسخها أكثر و تراتبيتها و تتالي سياقاتها.

إنهما و إن كانا بما تميزا به في الحضور و الأداء وجهان متباينان إلا أنهما لم يغيرا مع ذلك في مسار اللقاء و لم يصرفا عن الاهتمام بالفحوى حيث كانت المسائل التي طرحت ضاربة في لب قضايا البلد و الأمة و نابعة من صميم الاهتمامات و الإشكالات التي تندرج في السياق العام لحراك البلد و تشكل المحاور الحساسة التي تدور حولها المطالبات بالحلول و العمل على التسويات المرتبطة بإحلال:

·        عدالة اجتماعية ملحة تبدأ بإنصاف الشباب و إطلاق قدراته و حيويته في الظروف المناسبة،

·         و أمنية ضرورية لإحلال الاستقرار و ضمان الأمن،

·         و اجتماعية صارخة في ظل التباين المزمن بين الشرائح و المكونات،

·         و متعلقة بالمعتقد الإسلامي العظيم الذي أضحى مطية الوصوليين و الجاهلين و المضطربين المطالبين بتسليط الأضواء على قدرتهم على الإساءة و الإضرار بالسكينة العام و بغرس بذور الشقاق و خلق بؤر الاختلاف إمعانا و غاية،

·         و بالهوية المهددة في الصميم،

·         و مرتبطة بـ”حكامة” ناجعة و عادلة تقوم بالأساس على إشراك كل الأطياف و تشمل كل الشرائح و الطاقات و منها و على رأسها الشبابية.

و لما كانت كل القضايا التي أثارها العديد من المتدخلين الشباب على جانب كبير من الأهمية، فقد كانت الإجابات هي الأخرى على قدر هام و لافت من الجرأة و الصراحة و الإحاطة.

و لما كانت أيضا مداخلات بعض الشبان و الشابات تحمل في طياتها مقترحات ملموسة لحل بعض المعضلات و الإشكالات فإن البعض الآخر منها كان خجولا تارة و طوباويا تارة أخرى، و لم يحمل بذلك مادة تضيف جديدا إلى ما حصل دونها من الاستنتاجات و المقترحات المتنوعة و الهامة. و مع كل ذلك فإن الشباب لم يبخل بجهد لتحديد و إبراز مطالبه الجمة بإلحاح و جرأة بعدما ما لم يترك شاردة أو واردة بما يحسه من غبن و تهميش و إقصاء عن دوائر القرار في السلطة و في الأطر الحزبية و المجتمع المدني و غير ذلك من الميادين و المجالات الحيوية التي كان بإمكانه بل و لزاما عليه أن يلعب فيها أدوارا بالغة و مصيرية. و قد تضمنت التوصيات التي تمخضت عن اللقاء باقة من المقترحات القيمة التي ستعتبر عمليا على أرض الواقع، إن بلغت مقام التحقيق و الانجاز، بمثابة فاتحة ميمونة لمشاركة الشباب الفعلية في حلحلة كل القضايا العالقة و الخروج بالبلاد من الجمود الذي تعيش فيه و التوجه إلى رفع الممنوعات للسماح للأنوار بطرد بؤر الظلام الملتفة حول مسار نهوض البلد المتعثر إلى مصاف الأمم المتحضرة. و إذا كان إنشاء مجلس أعلى للشباب إحدى النتائج الفورية لهذا اللقاء ـ و هو بالمتناسبة المجلس الذي في فكرته و مآربه تكرار ليس إلا لما كانت عرفته البلاد في السبعينات من القرن المنصرم في عهد الحزب الواحد أيام المرحوم المختار ولد داداده و ما زال من مؤسسيه و أصحاب التنظير له على قيد الحياة من يتمتعون بكامل قدراتهم التنظيرية إن جاز التعبير و إن منهم من انصرف عن السياسة إلى اهتمامات أخرى –  فإن ما يجري من تعيينات للشباب في وظائف هامة ضمن كل القطاعات، لا يمكن إلا أن يكون نتيجة عملية و ميدانية كذلك لهذا التوجه الذي بدأ يأخذ شكل مسار عملي سيكون له انعكاس إيجابي في القادم من الأيام.   و هو المجلس أيضا الذي قد يكون، بعد ما اتفق عليه من إنشائه و ما سيتبع من تفعيله، بداية مرحلة جديدة في التعاطي مع قضايا و اهتمامات و دور الشباب باعتباره أمل الأمة والضامن لتقدمها وازدهارها والمحافظة على تماسكها ووحدتها و الإطار الذي يحقق له استقلاله من خلال اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بترتيب بيته و ضبط أحواله في الحاضر و المستقبل. و هو إنه للإطار القانوني و التنظيمي الذي يحقق لهذا الشباب اندماجه المطلق و يفتح له آفاق الانطلاق في رسم الخطط وتنفيذ المشاريع وإطلاق المبادرات  و يسهر عبره على تنفيذ الميثاق الذي تتفق عليه كل فصائله، إطارا كذلك لتوصيل مطالبه إلي الجهات المختصة لضمان السهر على أن يتم  تنفيذها واعتمادها بشكل فعلي و كذا متابعتها في جميع المراحل . و ليس ما يحدث داخل حزب الاتحاد من أجل الجمهورية منذ تعيين الدكتور إسلكو ولد أحمد إزيد بيه على رأسه خلفا للسيد محمد محمود ولد محمد الأمين بمعزل تماما عن ما لم يكن بد من إثارته عن حزب عرف تناقصا ملحوظا في:

·        أدائه حزبا محيطا عموما،

·         و في أدوار الشباب لديه خاصة،

·         و سطو شلة فيه على الكلمة،

·         و تقليص لخطابه الشامل،

·         و اتخاذها للقرارات الغير صائبة و التوجيهات المضطربة،

·         و التسيير الفوضوي لطواقم المناضلين و للإمكانات المادية و المالية، حيث وسعت هذه الأسباب مجتمعة الهوة بينه و بين القاعدة العريضة من مناضليه و مؤيديه إلى حد الفصل الملحوظ فأوصدت الأبواب و اعتمدت الانتقائية منهجا في لقاء كبار الحزب و محاورتهم حول الوضع في داخله و في الساحة من حوله، بل و قد أفصحت عن العلامات التي سبقت اللقاء و التمهيد لتداعيات خواتمه المؤشرة على النتائج الإيجابية المحسوبة والضرورية المرجوة من ورائه. وما العمل المتواصل هذه الأيام و السعي الحثيث من أجل استبدال طبقة تشكلت في الفترة المنصرمة دون غيرها و انبرت في حسابات ضيقة انفصمت عن إطار الحزب العام لتحاصر من بعد ذلك و تعيق رويدا رويدا مساره، الذي كان بدأ قويا في ظل برنامج واضح المعالم و الوجهة، بما كاد أن يتجسد سلبا في الانتخابات الأخيرة لولا هبة كل أحزاب الأغلبية و حرصها على استتمام دورها في إطار توجهها السياسي العام، و لولا إصرار مناضلي الحزب عموما على الإبقاء على إطارهم حتى ما بعد الانتخابيات ليرى في أمره و ضرورة إحداث التغيير في تشكيلته لتواكب الطموحات الجديدة و الاستعداد في قابل الأيام لخوض الاستحقاقات الرئيسية الوشيكة. و إن التغييرات الجزئية التي أعلن عنها لحد الساعة لا تخفي مطلقا الإرادة الجديدة و الجادة على ما يبدو في السعي الميداني لإعادة الحسابات و وضع الحزب على خط جديد تتحدد معه أثناء اللقاء الرؤيا في وضوح الطموحات المستقبلية بأنفاس جديدة تمشيا مع ما صدر عن رئيس الجمهورية من أهمية تجديد الطبقة السياسية  و ضخ دماء جديدة في سياسة البلاد، و طواقم جديرة تضم كل الذين استغلوا ثم همشوا لا لذنب اقترفوه إلا أنهم كانوا مناضلين حزبيين مخلصين و رافضين أن يكونوا أدوات رخيصة بأيدي “البارونات” الذين تقاسموا مساحة “الريادة” فيه و استأثروا بالقرار ضاربين بالديمقراطية عرض الحائط و مستهزئين بأصحاب العطاء الإيجابي الذين لا يريدون سوى وجه وطن لا يغمط حق أبنائه إن استقامت أموره و تحققت وحدته. إنهم كثر و لكنهم أقصوا و همشوا و قد حضر منهم من حالفه الحظ في اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية بالشباب حتى قال بعض ما كان من تلك الوضعية الشاذة و أفصح عن تداعياتها في حزب كبير لا يمكنه إن أراد أن يظل وعاء جامعا مانعا أن يغفل أو يهمل طاقاته المنتجة و المنضبطة و المبدعة التي بها وحدها يستطيع أن يتقدم في تجسيد خطابه على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى