الحوار الوطني….. من منصة التجاذب إلى مشروع لبناء الدولة
كتب الإعلامي الشيخ حبيب:

الزمان أنفو : في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها موريتانيا، يعود الحديث مجدداً عن الحوار الوطني باعتباره فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وتجاوز حالة الاحتقان والتشكيك التي طبعت المشهد خلال السنوات الأخيرة. غير أن نجاح أي حوار لا يقاس بعدد المشاركين ولا بحجم الشعارات المرفوعة، بل بقدرته على إنتاج حلول واقعية تلامس هموم المواطن وتؤسس لمرحلة جديدة من الانسجام السياسي والتنمية الشاملة.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الحوارات التي تُبنى على منطق تقاسم النفوذ أو تسجيل النقاط السياسية سرعان ما تتحول إلى مناسبات عابرة تزيد منسوب الإحباط الشعبي.
أما الحوار الحقيقي فهو الذي يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، ويحول الاختلاف السياسي إلى قوة اقتراح وبناء.
أولـــــوية الانســـــجام الســـــــياسي
إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب سياسي جديد يقوم على التهدئة، واحترام التعدد، والابتعاد عن خطاب الكراهية والشرائحية والتخوين. فالتنوع الاجتماعي والثقافي الذي تزخر به البلاد يجب أن يكون مصدر قوة ووحدة لا أداة للاستقطاب والصراع.
ويتطلب ذلك:
– تعزيز الثقة بين السلطة والمعارضة عبر ضمانات سياسية واضحة.
– إشراك الشباب والنساء والمجتمع المدني في صناعة القرار.
– ترسيخ مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون.
– تحييد الإدارة والخدمات العمومية عن التجاذبات السياسية.
فالاستقرار السياسي ليس مجرد غياب للأزمات، بل هو بناء مناخ يشعر فيه المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي مصالحه دون تمييز.
التنــــمية المحلية… الحــــلقة الغائـــــــبة
لا يمكن لأي حوار وطني أن ينجح إذا ظل بعيداً عن الواقع المعيشي للمواطنين في الداخل، حيث تعاني العديد من المناطق من ضعف البنية التحتية، والبطالة، ونقص الخدمات الأساسية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى:
– إطلاق مشاريع تنموية حقيقية في الولايات الداخلية.
– دعم اللامركزية ومنح البلديات صلاحيات أوسع.
– الاستثمار في التعليم والتكوين المهني وربطهما بسوق العمل.
– تشجيع الزراعة والتنمية الحيوانية والصيد باعتبارها قطاعات استراتيجية.
إن التنمية ليست وعوداً موسمية، بل رؤية وطنية تعيد توزيع الفرص والثروات بشكل عادل.
محــــاربة الفـــساد… المدخـل الحـــقيقي للإصـــــلاح
يبقى الفساد أحد أكبر التحديات التي تعيق بناء دولة قوية وعادلة. فهدر المال العام، وضعف الرقابة، واستغلال النفوذ، كلها عوامل تقوض ثقة المواطن وتعرقل التنمية.
ولذلك فإن أي حوار جاد يجب أن يفضي إلى:
– تعزيز استقلالية القضاء وأجهزة الرقابة.
– فرض الشفافية في الصفقات العمومية.
– ربط المسؤولية بالمحاسبة.
– حماية المال العام وتجريم الإثراء غير المشروع.
فالدول لا تنهض بالشعارات، بل بحسن إدارة مواردها واحترام مؤسساتها.
استغلال الثروات البشرية والاقتصادية
تمتلك موريتانيا ثروات طبيعية هائلة من معادن وغاز وصيد بحري، إضافة إلى ثروة بشرية شابة قادرة على الإبداع والعطاء. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع إنتاج وفرص عمل وتنمية مستدامة.
ويتطلب ذلك:
– تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي وفق ضوابط تحفظ المصلحة الوطنية.
– دعم رواد الأعمال والشباب أصحاب المبادرات.
– تطوير البنية التحتية والطاقة والرقمنة.
– خلق شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.
فالموارد مهما كانت ضخمة، لن تحقق التنمية دون حكومة رشيدة ورؤية استراتيجية واضحة.
بين التشاؤم والأمل
صحيح أن جزءاً من الرأي العام ينظر بحذر إلى أي حوار سياسي بسبب تراكم التجارب السابقة، لكن تحويل الحوار إلى فرصة تاريخية يبقى ممكناً إذا توفرت الإرادة الصادقة، وتم تقديم مصلحة الوطن على المصالح الشخصية والحزبية.
إن موريتانيا اليوم لا تحتاج إلى حوار للاستهلاك الإعلامي، بل إلى عقد وطني جديد يؤسس لدولة قوية، عادلة، ومتضامنة، دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء في الوطن والثروة والمستقبل.
فالحوار الناجح ليس الذي ينتهي بتوصيات مكتوبة، بل الذي يبدأ بعده العمل الحقيقي لبناء وطن يسوده الاستقرار والعدالة والتنمية.
الإعلامي الشيخ حبيب



