رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية
الإنترنت سلاح ذو حدين . • تفكير وطني حول استخدامه

الزمان أنفو ( نواكشوط): رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية
الموضوع
الإنترنت سلاح ذو حدين .
• تفكير وطني
حول استخدامه
فخامة رئيس الجمهورية
أصبح الإنترنت اليوم أداة لا غنى عنها في حياتنا المعاصرة ؛ إذ يتيح إمكانات هائلة في مجالات التعليم ، والصحة ، والاتصال ، والتجارة ، والوصول إلى المعرفة .
فمن خلاله ، يستطيع المواطنون التعلم ، والعمل ، والاستثمار ، والحفاظ على التواصل مع ذويهم .
كما تمكنت العديد من الإدارات العمومية من تحديث خدماتها ، بفضل التحول الرقمي .
غير أن الإنترنت يمثل أيضا سلاحا ذا حدين ؛ إذ إن اثاره السلبية اخذة في التفاقم بشكل يبعث على القلق ويستدعي اهتماماً خاصا .
أصبحت اليوم – في كثير من الأسر – النفقات المرتبطة باشتراكات الإنترنت ، تشكل عبئا ماليا حقيقيا . فكثير من الأطفال يطلبون يوميا مبلغ مائتي أوقية لشراء رصيد بيانات يمكنهم من اللعب عبر الإنترنت . وهو إنفاق يومي يتراكم ، ليشكل ضغطا كبيرا على ميزانية الأسرة .
وتزداد خطورة الوضع لدى بعض المراهقين الذين يطلبون ما بين خمسمائة وألف أوقية يوميا ؛ أحيانا لأغراض لا يعرفها الآباء ، أو لا يستطيعون مراقبتها. ويؤدي ذلك إلى العزلة ، والتعرض لمحتويات غير ملائمة ؛ وأحيانا إلى سلوكيات تنطوي على مخاطر .
ولا تقتصر مخاطر الإنترنت على الأطفال والشباب ، بل تشمل الكبار أيضا ؛ حيث تختلط المعلومات المفيدة بالمعلومات المضللة والكاذبة والضارة . كما تنتشر الشائعات والأخبار الزائفة والإثارة الإعلامية بسرعة فائقة ، فتؤثر في الرأي العام ، وتثير التوترات ، وتصرف المواطنين عن الأولويات الحقيقية .
ومن أكبر التحديات التي يفرضها العصر الرقمي ، الإدمان على استخدام الوسائط الرقمية . فكثير من الأشخاص يقضون ساعات طويلة أمام هواتفهم المحمولة… على حساب أسرهم ، وأعمالهم ، ودراستهم ، وصحتهم . وقد أصبح هذا النوع من الإدمان معترفا به اليوم ، باعتباره قضية حقيقية من قضايا الصحة العامة في العديد من البلدان .
فخامة الرئيس
إن الإنترنت – شأنه شأن الإذاعة والتلفزيون وغيرها من الاختراعات – لم يُبتكر في بلادنا ، وإنما نشأ في مجتمعات تمتلك تقاليد علمية وتكنولوجية راسخة ؛ حيث تسهم الأسرة ، والمدرسة ، والجامعات ، ومراكز البحوث ، ووسائل الإعلام ، والسلطات العمومية في تثقيف المواطنين . ويتلقى الأطفال والشباب وذوو المستويات التعليمية المحدودة وسائر البالغين ، يتلقون توعية مستمرة بمزايا هذه التقنيات ومخاطرها ، وأفضل أساليب استخدامها وحدود الاستفادة منها .
أما في بلادنا ، فما زالت ثقافة التوجيه والمرافقة الرقمية في بداياتها . فعندما يقتني المواطن دواء ، يجد معه نشرة توضح دواعي الاستعمال ، وموانعه ، والاحتياطات الواجب اتخاذها . أما الإنترنت ، فيوضع بين أيدي الجميع من دون أي ” دليل استعمال ” حقيقي ، يهيئ المواطنين لفهم فوائده ومخاطره وحدود استخدامه .
وتزداد هذه الإشكالية خطورة ، بالنظر إلى أن مستوى التعليم لا يزال يشكل تحديا وطنيا ؛ إذ ما زالت نسبة معتبرة من السكان تواجه صعوبات في محو الأمية وفي التحكم في الأدوات الحديثة . وفي مثل هذه الظروف ، يصبح من الصعب على كثير من المواطنين ، التمييز بين المعلومات الموثوقة والمعلومات المضللة ؛ أو إدراك مخاطر شبكات التواصل الاجتماعي ، أو الوقاية من الآثار السلبية للاستخدام المفرط للإنترنت .
ومن هنا ، يبدو من الضروري إطلاق حملة وطنية دائمة وواسعة النطاق للتوعية ، تُعبَّأ لها جميع وسائل الاتصال المتاحة ، بما في ذلك التلفزيون والإذاعة ، والصحافة ، ومنصات التواصل الاجتماعي ، والمساجد ، والمؤسسات التعليمية ، والجامعات ، والإدارات العمومية ، والجمعيات ، والجماعات المحلية . وينبغي لهذه الحملة أن تشرح – بلغة مبسطة وميسرة – مزايا التحول الرقمي ؛ كما توضح مخاطره ، وأضراره ، ومحاذير الاستعمال المفرط ، ومخاطر الإدمان ، وانعكاساته على الصحة والحياة الأسرية ، والنجاح الدراسي ، والإنتاجية ، والتماسك الاجتماعي .
لا ينبغي أن تكون هذه الحملة ظرفية أو موسمية ، بل يجب أن تكون مستمرة ودائمة ومتكيفة مع مختلف فئات المجتمع . فمن خلال ترسيخ ثقافة رقمية مسؤولة ، سيتمكن مجتمعنا من الاستفادة المثلى من هذه التكنولوجيا ، مع الحد من آثارها السلبية .
وفي هذا السياق ، لا تقتصر مسؤولية الدولة على تطوير البنية التحتية الرقمية ؛ بل تشمل كذلك حماية المواطنين عبر التربية ، والوقاية ، والتأطير . ولذلك ، فإن أي تفكير في الحد من بعض استخدامات الإنترنت ، ينبغي أن يسبقه إعداد الرأي العام من خلال هذه الحملة الوطنية الكبرى للتوعية . فبدون تهيئة المواطنين وإدراكهم لطبيعة التحديات ، قد يُساء فهم أي إجراء من هذا القبيل ؛ وقد لا يحقق النتائج المرجوة .
فقط سيكون من المناسب بعد هذه المرحلة من الإعلام والتوعية والحوار ، دراسة مختلف الخيارات ؛ وذلك بالتشاور مع الخبراء ، ومشغلي خدمات الاتصال ، والمربين ، وأولياء الأمور ، ومكونات المجتمع المدني … بهدف الحد من الاستخدام المفرط للوسائط الرقمية . ومن بين هذه الخيارات – وعلى سبيل التجربة – يمكن التفكير في تعليق جزئي ، أو تقييد بعض خدمات الإنترنت لمدة يومين في الأسبوع ، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية مثل خدمات الطوارئ ، والإدارة ، والتعليم ، والأنشطة الاقتصادية ، ووسائل الاتصال الضرورية .
وفي هذا الصدد ، اسمحوا لي بملاحظة تحمل شيئا من الطرافة : فإذا كان العمال يستفيدون ، عن حق ، من يومي راحة أسبوعيا حفاظا على توازنهم ، فلماذا يبدو من غير المقبول التفكير في نوع من ” الاستراحة الرقمية ” في وقت أصبح فيه الإنترنت – بالنسبة لكثيرين – وسيلة للترفيه وإضاعة الوقت ، أكثر منه أداة حقيقية للعمل . إن هذا التساؤل ليس حكما نهائيا ، بل دعوة لفتح نقاش وطني هادئ ومسؤول .
فخامة الرئيس
إن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يبقى في خدمة الإنسان ، لا أن يصبح الإنسان في خدمته . وتقع على عاتقنا جميعا مسؤولية إيجاد التوازن بين الاستفادة من مزايا الرقمنة ، وبين حماية مجتمعنا من آثارها السلبية .
وأعرب عن أملي في أن تسهم هذه الرسالة في إثراء التفكير الرامي إلى بلورة سياسة وطنية تحقق التوازن بين الابتكار ، والحرية، والتربية ، والمسؤولية ، وحماية المواطنين .
وتفضلوا ، فخامة رئيس الجمهورية ، بقبول فائق عبارات التقدير والاحترام .
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس للمعهد الدولي للبحوث والدراسات الاستراتيجية (2IRES)
14 يوليو 2026



