النواصب الجدد/ للدكتور محمد المختار الشنفيطي

الزمان أنفو( نواكشوط) :لا يزال شوقي القاضي يردد قبائح وجهالات عن ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وآخر ما قال في ذلك إن الحسين “كان مهووساً بالسلطة، مع أن إمكاناته السياسية محدودة حدَّ الانعدام.” وقبل ذلك اتهم شوقي الحسين رضي الله عنه بأنه “تسبَّب بإراقة الدماء، وإشعال الفتنة بين المسلمين، وتمزيق مجتمعاتهم”، وبأنه “غرَّر به مجموعة من دعاة الفتنة، ودهدهوا له، مستغلين غباءه السياسي، وشرَهَه على الحكم، فساقوه إلى التهلكة.”
وبلغت الجهالة بشوقي القاضي حدَّ تسويغ مقتل الشهيد الحسين ضمنًا، من خلال الادعاء أنه “ألقى بنفسه إلى التهلكة، وغرَّر بنسائه وأطفاله وتسبب في إقحامهم في تمرد على الدولة، وتمزيق وحدتها، وزعزعة أمنها واستقرارها، وشقاً لصفها… مما أوقعه في تحذيره صلى الله عليه وسلم: (مَن أتاكُم وأمرُكُم جَميعٌ على رَجُلٍ واحِدٍ، يُريدُ أن يَشُقَّ عَصاكُم أو يُفَرِّقَ جَماعَتَكُم، فاقتُلوه)”.
تندرج أقوال شوقي القاضي ضمن قبائح النواصب الجدد التي يَحْرُم السكوت عليها.
لذلك يتعين وضع الأمور في نصابها، طبقا لما توصل إليه المحققون الأثبات من علماء أهل السنَّة والجماعة، نصرةً للحق بالحق، وبعيدًا عن مهاترات المتجادلين مع الشيعة بجهلٍ، ممن يدفعون الباطل بالباطل، ويردُّون الغلو بغلو أقبح منه.
وأوجِز البيان في هذا الموضوع في نقاط حسبما يسمح به المقام، ومن أراد التوسع فله أن يرجع إلى كتابي: “الخلافات السياسية بين الصحابة: رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ”، بتقديم العلامة القرضاوي رحمه الله، والأستاذ الغنوشي فرج الله كربه:
1. إن مكانة الحسن والحسين رضي الله عنهما في الإسلام لا يختلف فيها أهل العلم والإيمان، مهما تكن مذاهبكم ومشاربهم.
ويكفي من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا” (صحيح البخاري). كما يكفي منه أنه “لما أنزلت هذه الآية “قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم” الآية، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي” (متفق عليه واللفظ لمسلم).
ولستُ مع تفسير الشيعة لهذا الحديث تفسيرا سلاليا يحصر الخلافة في البيت النبوي، ولا مع تفسير أهل السنَّة لحديث: “الأئمة من قريش” تفسيرا قبَليا يحصر الخلافة في القبيلة النبوية، لأن ذلك -في الحالتين- خروج على مبدأ الشورى القرآني. لكن هذا الحديث يكفي بيانا لفضل الحسن الحسين ومكانتهما كليهما.
2. أن مذهب الحسن رضي الله عنه العمل من تحت سقف الدولة القاهرة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه طبقا لمعادلات الزمان والمكان والإمكان، ومذهب الحسين رضي الله عنه في اختراق سقف الاستبداد والثورة على الواقع الجائر، مذهبان إسلاميان أصيلان، يترجح كل منهما في ظروفه، ولكل من المذهبين أتباع من أهل الإسلام في تاريخ التسنن وفي تاريخ التشيع. وقد بينتُ ذلك بإطناب في كتاب: “الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية” لمن أراد التوسع فيه مفصَّلا ومؤصَّلا.
وخروج الحسين على يزيد بن معاوية كان “غضَبًا للدين وقياما بالحق” كما وصفه بحقٍّ القاضي أبو بكر بن العربي (العواصم من القواصم، 237). وإذا كان هذا توصيف ابن العربي المعروف بتعصُّبه للأمويين، وتكلُّفه في الدفاع عنهم، فما بالك بغيره من علماء أهل السنَّة المنصفين.
فثورة الحسين كانت ثورة العدل ضد الظلم: “ومَن أعدلُ من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟” كما تساءل ابن خلدون بحق (مقدمة ابن خلدون، 217).
كما أن أهل المدينة حين ثاروا على يزيد إنما “قاموا لله” بحسب تعبير الحافظ الذهبي (سير أعلام النبلاء 4/37-38). فثورتهم ثورة عدل على الظلم، ونتائج الحرب ليست حكما على شرعيتها ابتداء.
3. أما دولة يزيد التي يدافع ‘الثائر السابق‘ شوقي القاضي عن شرعيتها اليوم، ويطعن في الشهيد الحسين بأنه تسبب في “تمزيق وحدتها، وزعزعة أمنها واستقرارها” فهي ليست سلطة شرعية إطلاقا.
ورغم دفاع الكثير من علماء أهل السنة عن معاوية، احتراما لشرف الصحبة، فإن المحققين منهم لم يقرُّوه على تولية ابنه يزيد الخلافة، وتحويلها ملكا عضوضا، بل اعتبروا ذلك سنَّة سيئة في الإسلام، وخروجا عن قيم الإسلام السياسية من الشورى والتراضي والإجماع، وفتحا لباب الفتن السياسية والتناحر. قال الحافظ الذهبي: “وليته [أي معاوية] لم يعهد بالأمر إلى ابنه يزيد، وترَك الأمة من اختياره لهم” (سير أعلام النبلاء 3/158). وقال: “وإنما عظُم الخطب لكونه [أي يزيد] وُلِّيَ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بتسع وأربعين سنة، والعهد قريب، والصحابة موجودون، كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجده” (سير أعلام النبلاء 4/36).
4. رغم بغض المحققين من أهل السنَّة ليزيد وفِعاله القبيحة بأهل البيت النبوي والمدينة النبوية، فإنهم لا يلعنونه في الغالب الأعم: “قال صالح بن أحمد [بن حنبل]: قلت لأبي: إن قوما يقولون إنهم يحبون يزيد، فقال: يا بني، وهل يحب يزيدَ أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت، فلماذا لا تلعنه؟ فقال: يا بني، ومتى رأيت أباك يلعن أحدا؟” (مجموع الفتاوى 4/483 ومنهاج السنة 4/573). وقال ابن تيمية: “نحن إذا ذُكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال القرآن: (ألا لعنة الله على الظالمين)، ولا نحب أن نلعن أحدا بعينه. وقد لعنه [يعني الحجاج] قومٌ من العلماء، وهذا مذهب يَسُوغ فيه الاجتهاد.
لكن ذلك المذهب [الأول] أحب إلينا وأحسن. وأما من قتََل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.” (مجموع الفتاوى 4/487). “وأشار الغزالي إلى التوقف في شأنه [في شأن يزيد]، والتنزه عن لعنه، مع تقبيح فعله” (ابن العماد: شذرات الذهب 1/278). ولعل أعدل ما قيل في يزيد قول الحافظ الذهبي عنه: “كان قويا شجاعا، ذا رأي وحزم، وفطنة وفصاحة، وله شعر جيد. وكان ناصبيًّا فظا غليظا جِلفا، يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة. فمقَتَه الناس ولم يُبارَك في عمره” (سير أعلام النبلاء 4/37-38).
5. ورغم أن علماء أهل السنَّة في عامتهم يكرهون لعن المعيَّن باسمه، فقد ترخًّص بعضهم في لعن يزيد بن معاوية بسبب فعاله القبيحة ضد الحسين وأهل البيت النبوي، واستباحته للمدينة النبوية. فقد رأى بعض الأعلام – بمن فيهم الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه – أن لا بأس بلعن يزيد. قال ابن كثير: “وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال وأبو بكر بن عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وابنه القاضي أبو الحسن. وانتصر لذلك أبو الفرج بن الجوزي في مصنف مفرد وجوز لعنته” (ابن كثير: البداية والنهاية 8/223). وممن قالوا بلعن يزيد العلامة التفتازاني: “قال التفتازاني: فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه” (ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب 1/277-278). أما الحافظ ابن الجوزي فقد ألف في جواز لعن يزيد كتابه: “الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد” وهو مطبوع ومتاح.
6. إن مقتل ريحانة رسول الله ﷺ، الشهيد الحسين رضي الله عنه فاجعةٌ من فجائع الإسلام، ولعنةٌ لاحقت قاتليه حتى هدَّت ملكهم الجائر، وثلمةٌ باقية في الضمير المسلم عبر القرون، وقد عبَّر الإمام السيوطي عن ذلك بقوله: “وقد وردت في مقتل الحسين قصة طويلة لا يحتمل القلب ذكرها” (السيوطي: تاريخ لخلفاء ص 125).
وتحويل الشيعة لفاجعة كربلاء مشهدا جنائزيا أبديا، وشحنا للذاكرة الانتقامية الموتورة، لا يسوِّغ لمن يدَّعي التسنُّن الإساءة إلى الشهيد الحسين وأهله الشهداء بهذا القول القبيح، أو الإساءة إلى غيرهم من الصحابة والتابعين الذين استشهدوا في سبيل اقتلاع ظلم يزيد والحجاج وغيرهما من الجبابرة.
7. من الشيعة المعاصرين من حمل راية الحسين وقاتل في جيش يزيد، وقد أسَلْنا الكثير من الحِبر على مدى السنين لفضح منطقهم المتناقض. لكن مهاجمة الحسين والدفاع عن يزيد باسم السنَّة هو أكبر إساءة إلى أهل السنَّة. وإذا عجز المسلمون عن التلاقي على محبة الجاهد المجاهد الحسين رضي الله عنه، وبُغْض السفَّاح المستهتر بحرمات الله يزيد بن معاوية، فقد اختلت موازينهم العلمية والأخلاقية، وهم عمَّا دون ذلك أعجزُ.
لقد نهى القرآن الكريم عن الغلو في الدين، لكن غلاة الشيعة من الروافض الجدد، وغلاة السنة من النواصب الجدد، خرجوا على هذا الأمر القرآني. والفرق الوحيد أن الروافض يغالون في موالاة مظلومين أخيار، أمثال الحسين رضي الله عنه وبنيه. والنواصب يغالون في موالاة ظالمين أشرار، أمثال يزيد وابن أبيه.. فجمعوا “حشفا وسوء كيلة” كما يقول المثل العربي!
وأخيرا أقول: قبَّح الله النواصب الجدد والروافض الجدد: سنَّةً أردنا منهم التأسِّي بعدل عمر بن الخطاب وبسالة خالد بن الوليد، فاختاروا الاعتزاز بظلم يزيد بن معاوية وبطش الحجاج بن يوسف! وشيعةً أردنا منهم الاقتداء بزهد علي بن أبي طالب وجهاد الحسين بن علي، فاختاروا الاقتداء بمكر الحسن بن صباح وغدر رشيد الدين سنان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


