أبو شجة… حين يصبح الوفاء قصيدة/بقلم: أحمد محمد حماده

الزمان أنفو:

أحيانًا تأتي الحياة بلحظات تجعلنا نتوقف عن الكلام، لأن بعض الوجع أكبر من أن تختصره العبارات، وبعض مواقف الوفاء لا تحتاج إلى شرح، لأنها تتحدث عن نفسها.

اليوم، ونحن نتابع المحنة الصحية التي يمر بها الشاعر الموريتاني الشيخ ولد ببانا، المعروف بـ«أبو شجة»، يصعب أن نتحدث عنه كشاعر فقط. قبل كل شيء، نحن أمام إنسان يمر بظرف قاسٍ، وأسرة تعيش معه تفاصيل الخوف والانتظار والأمل.

أبو شجة الذي عرفته المنابر الشعرية، والذي اعتاد أن يمنح الناس من كلماته ومشاعره، يجد نفسه اليوم في حاجة إلى من يقف إلى جانبه.

كم هو مؤلم أن يعتاد الإنسان طوال حياته على أن يكون صاحب الكلمة، ثم يجد نفسه في لحظة لا يبحث فيها عن قصيدة أو تصفيق، وإنما عن يد تمتد إليه، وعن أمل يساعده على تجاوز محنته.

لكن وسط هذا الألم، جاءت ابنته لتكتب واحدة من أكثر القصائد الإنسانية صدقًا.

لقد قررت أن تتبرع بإحدى كليتيها لوالدها.

لا أظن أن هناك كلمات كثيرة يمكن أن تشرح هذا الموقف.

فهي لم تكتفِ بأن تكون إلى جانب أبيها، ولم تكتفِ بالدعاء له أو مواساته، بل اختارت أن تقدم له من جسدها ما قد يمنحه فرصة جديدة للحياة.

إنها لحظة تختصر معنى البر بطريقة لا تحتاج إلى خطب ولا شعارات.

الأب الذي أعطى ابنته من عمره وحنانه وتعبه، تقف ابنته اليوم أمام محنته لتقول له بالفعل: أنا هنا، ولن أتركك وحدك.

ولعل أكثر ما يلمس القلب في هذه القصة أن أبا شجة شاعر، قضى عمره يكتب عن الإنسان والحب والألم والوطن، لكنه وجد أمامه اليوم قصيدة لم يكتبها هو.

قصيدة كتبتها ابنته بموقفها.

قصيدة عنوانها الوفاء.

وهنا أتساءل: كم من مبدع نحتفي به عندما يكون في أوج عطائه، ثم ننساه عندما يحتاج إلينا؟

نحن نحب أن نكرّم شعراءنا وفنانينا في المناسبات، وأن نصفق لهم فوق المنابر، وأن نتحدث طويلًا عن دور الثقافة في بناء الوطن.

لكن الثقافة ليست مهرجانات فقط، والمبدع ليس صوتًا نحتاج إليه عندما يكون قادرًا على العطاء ثم نتركه يواجه وحده لحظات الضعف.

المبدع إنسان قبل أن يكون اسمًا في الساحة الثقافية.

ولهذا، فإن محنة أبي شجة يجب أن تفتح أيضًا بابًا للحديث عن مسؤولية الدولة تجاه مبدعيها.

عندما يحتاج المبدع إلى وطنه

هنا يأتي دور الدولة، وخصوصًا وزارة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان.

لا أتحدث عن منّة أو صدقة، ولا عن مساعدة عابرة.

أتحدث عن معنى أعمق: الوفاء لمن خدم الثقافة الوطنية.

أبو شجة واحد من أبناء هذا البلد الذين أعطوا للكلمة من أعمارهم، وحملوا اسم موريتانيا إلى فضاءات الشعر والثقافة. ولذلك، فإن الوقوف إلى جانبه في هذه الظروف يجب أن يكون موقفًا مؤسسيًا وإنسانيًا يليق بقيمة الإنسان والمبدع.

المطلوب اليوم ليس فقط أن نعرف ما يحتاجه أبو شجة، وإنما أن نسأل: كيف يمكن للدولة أن تساعده فعليًا؟

أن تتواصل مع أسرته، وأن تطلع على وضعه الصحي، وأن تنظر في إمكانات علاجه، وأن توفر له ما تستطيع من دعم، وأن تجعل هذا الملف أولوية إنسانية لا مجرد خبر يمر في وسائل الإعلام.

فالإنسان عندما يمرض لا يحتاج إلى الكلمات الكبيرة بقدر حاجته إلى من يقول له: نحن معك.

وهذه ربما هي الرسالة التي نحتاج أن تصل إلى أبي شجة اليوم.

لقد بدأت أصوات كثيرة ترتفع للتضامن معه، وبدأ الناس يتحدثون عن محنته، وعن ضرورة مساعدته.

وهذا جميل.

لكن الأجمل أن يتحول التعاطف إلى فعل.

أن يجد هذا الشاعر من يقف معه، لا بالكلام فقط، وإنما بما يستطيع.

أن تشعر أسرته أنها ليست وحدها.

وأن يشعر أبو شجة أن السنوات التي أعطاها للشعر والثقافة لم تذهب هباءً.

ابنة كتبت موقفًا لا يُنسى

أما ابنته، فربما لا تحتاج إلى كثير من المديح.

لقد فعلت شيئًا يكفي وحده ليجعل الناس يتحدثون عن معنى البر.

في زمن كثرت فيه الكلمات عن الوفاء للآباء، اختارت هي أن تجعل الوفاء فعلًا.

وربما هذه هي أجمل رسالة في القصة كلها:

حين يحتاج الأب إلى أبنائه، لا تُقاس المحبة بما نقوله، وإنما بما نفعله.

قصة أبي شجة ليست قصة مرض فقط.

إنها قصة أب وابنة.

قصة شاعر ومجتمع.

قصة إنسان وجد نفسه في لحظة ضعف، وابنة قررت أن تكون له سندًا.

وهي أيضًا تذكير لنا جميعًا بأن الذين يمنحوننا الجمال بالكلمة، يستحقون منا بعض الجمال عندما تضيق بهم الحياة.

لذلك، لا ينبغي أن ننتظر حتى تصبح محنة أبي شجة ذكرى حتى نتحدث عن قيمته.

أبو شجة يحتاجنا اليوم، وهو بيننا.

يحتاج إلى الدعاء، وإلى التضامن، وإلى دعم أسرته، وإلى موقف مؤسسي من الدولة، وإلى أن يشعر أن وطنه وأصدقاءه ورفاق الكلمة لم ينسوه.

أما ابنته، فقد قالت ما تعجز عنه آلاف القصائد:

بعض القصائد تُكتب بالحبر، وبعضها يُكتب بالوفاء.

اللهم اشفِ أبا شجة، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وامنح ابنته القوة، واجعل تضحيتها من أجل أبيها بابًا للخير والأمل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به ليس بيتًا من الشعر، وإنما أمنية بسيطة:

أن يعود أبو شجة إلى عافيته، وأن يعود صوته إلى المنبر، وأن يعود الشاعر إلى قصائده… وأن يبقى هذا الوطن وفيًا لأبنائه عندما يحتاجون إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى