وداعا سعيد/ محمدالأمين ولد محمودي

الزمان أنفو( نواكشوط):
“سأغير ملابسي في البيت بعد الدوام وأذهب لزيارة مريض عزيز في المستشفى العسكري”،لكن في البيت أخبرني احدهم بأن المريض عاد إلى البيت وقد تماثل للشفاء وبأنها وعكة ألمت وانتهت، قلت في الغد أكون عنده..نمت ليلتي متأخرا واستيقظت متأخرا ايضا، فوجدت هاتفي يحمل لي خبر وفاة الرجل وبأنهم نقلوه إلى البلدة وبأن كل شيئ انتهى.

إلى هنا قد يكون الأمر محزنا فقط ومفاجئا وسببا للموعظة والتذكر والاعتبار، لكن من يعرف الرجل ويعرفني ويعرف طبيعة علاقتنا سيدرك كيف أن الأمر أشد وكيف ان مستوى الألم قد لا يعتدل بسرعة، فالتراكمي هنا سيستمر في الارتفاع دقيقة بعد اخرى ويوما بعد آخر وسنة بعد أخرى إن كتب الله لي كل هذا العمر.
سعيد ولد احمد لمرابط المنسق عند المجموعة، ورئيس الشركة عند الدولة، والأخ الاكبر والصديق الطيب بالنسبة لي وللكثيرين.
تعرفت عليه كما تعرفت تقريبا على جميع الأقارب بصوته الجهوري وضحكته الدائمة وبياض قلبه الطفولي،ثم شاءت الأقدار والعمر أن أرث صداقته من اخي احماده حفظه الله وبتوصيات منه ببر ابن العم هذا..نشأت بيننا صلة عمرها سنوات قليلة لكنها كبرت ونضجت وشاخت بسرعة عجيبة مردها لطف الرجل وصدقه وكرمه واهتمامه بالجميع وترفعه وحضوره في ملمات حياتي، فإن قلت إنه بات أقرب لي من آخرين فتحت عيني عليهم حولي فلن أكون كاذبا.
سعيد وقف معي مواقف لا أنساها فقد كان لي سندا ومصدر قوة وابن عم يعتد به ويعتمد عليه فلم يخذلني ابدا ولم يتأخر في موعد من مواعيد الحياة.
اليوم سيبكيه الأقربون بالطبع وسيتذكرون خصاله ومواقفه وقصة نجاحه في حياة لاتفرش الورد للجميع ولاتكترث للعصاميين، ولعل من يبكون من الاقارب لايعلمون كم يبكي فقيدهم معهم من اناس تعرفوا عليه في ظروف وملابسات ومواقف أخرى لايعلمها احد.
ايها المنفق،ايها النبيل،أيها الممتع في حديثه أيها المحب للجميع..أيها الرجل الحق وداعا والأسف عليك بلغ مداه وداعا والحزن عليك لن ينقطع،ففي كل خطب ستتذكرك العشيرة في جميع قراها،وعند كل حاجة ومرض وخطب مدلهم ورفع لمريض أوكسر له أوفتح مخيف قي بدنه سيقولون كان سعيد له أو لها أو لهن او لهم..سيتذكرك ذلك الذي لايهتم له أحد،وسيتذكرك ذلك الذي لايعرفه ولايبصره الجمع..كلهم سيتذكرونك وكلهم سيبحثون عن سعيد آخر ليسد مسغبة فقدك فلن يجدوه إلا بشق الأنفس واختبار آلاف الرجال فالمنصب رفيع والكرسي لايقبل إلا الرجال.
المنسق العام ذهب عنا وتركنا بدون تنسيق،الأخ الناصح الطيب رحل عنا بقلبه الطفولي وحبه للجميع..الفتى الألمعي غادرنا فماذا عسانا نقول!!
حتى هذه الأبيات التي تصفه هنا لم تفلح ولن تفلح فالمنسق العام قصة أخرى وطيبة أخرى وحب آخر يوزع بين الناس بعدالة.

مضى اِبنُ سَعيدٍ حينَ لَم يَبقَ مَشرِقٌ … وَلا مَغرِبٌ إِلّا لَهُ فيهِ مادِحُ
وَمـا كُـنتُ أَخشى أَن تَـوَلّى حَـياتُـهُ … وَتَـسفي عَـلَيهِ بِـالتُرابِ الـبَوارِحُ
فَأَصبَحَ في غِبناءِ لَحدٍ كَأَنَّما … غَدا النّاسُ مِنهُ بِالأَمانيِّ واقِحُ
فَإِن يُمسِ مَدفوناً فَقَد ماتَ جودُهُ … وَعـادَ رَمـاداً كُـلُّ مـا هُـوَ قـادِحُ
وَلَو كانَ يُفدى بِالنُفوسِ لَطاوَعَت … نُفـوسٌ حَـيـارى لِـلـمَـنايا جَـوانِـحُ
وَلَكِنَّ هَذا المَوتَ لا يَستَقيلُهُ … جَليلٌ وَلا يَنجو مِنَ المَوتِ جادِحُ
فَيا عَمرو جادَتكَ الغَوادي بِديمَةٍ … تَروحُ بِها غُرُّ الغَمامِ السَوارِحُ
وَلا زالَ غَيثٌ في ثَراكَ كَأَنَّما … جَـداكَ إِذا اِنهَلَّت عَلَيهِ الأَوابِحُ
في النهاية تعلمك هذه الملمات بأن الإنسان إلى زوال الآن أو بعد ساعة أو عام والباقي هو الثلاثة التي نال منها فقيدنا الحظ الاوفر.
هل نقبل؟
هههههه (وشر البلية مايضكك)، من نحن حتى نعترض او نقبل؟
هل تألمنا؟
نعم أيما ألم ووجع
هل يمكننا استعادة سعيد فيجلس الآن هنا ويتصل بول آبه ويسأل آخر عن البرك ومركز روصو واحتمال تسجيل الولد في المغرب مع نوبات ضحك وتواصل مع اصحاب الحاجات وأشياء كثيرة يقوم بها في نفس الوقت :يرفع الشوكة إلى فمه ويتحدث في الهاتف وعينه على السجادة التي سيصلي عليها وقد حول لذاك مالا ويضرب موعدا لآخر ليساعده في زيجته العاشرة..لايمكننا ذلك بالطبع.
هل نبكي؟
هل يسعده ذلك؟
لامطلقا فهو الذي نذر حياته لأن يجعلنا مسرورين ضاحكين.
ثم ونحن في غفلة الالم والحسرة والفاجعة نتذكر كيف أن حبيبنا وحبيبه وشفيعنا وشفيعه محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلد بيننا فهل يجوز لنا طلب البقاء لأي منا..فصبرا في مجال الموت صبرا فمانيل الخلود بمستطاع.
أخي وصديقي
غيرت ثيابي فعلا وكنت سألتقيك لكنني للأسف فقدت فرصة لو اعتقدت أنها الأخيرة لما كان ماكان..اللهم اغفر لأخينا وفتانا وسيدنا سعيد وخفف عنا مصابه والهمنا صبر مصيبته وإنا لله وإنا إليه راجعون.

محمد لمين محمودي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى