القوة الناعمة أولا لحل معضلة شمال مالي /الأستاذ / الخليل النحوي

altاحتضنت باماكو عاصمة مالي يوم الجمعة الماضي اجتماعا دوليا مشهودا أعطى ضوءا أخضر إضافيا لشن الحرب في منطقة أزواد / أزواغ (شمال مالي)، وبذلك تضاعفت مؤشرات العد التنازلي لحرب الشمال. وكان مجلس الأمن الدولي قد طلب إعداد خريطة طريق هذه الحرب خلال 45 يوما، من أجل إصدار إذنه الذي يشكل رخصة، وربما عزيمة، لاستخدام العضلات الحارقة لحل مشكلات، نشأت أصلا في الأذهان، وقد يكون من الممكن ومن الأجدى أن تعالج في الأذهان.

 

لا ريب أن اقتطاع 70% من أرض “دولة مستقلة ذات سيادة” يعتبر في فقه القانون الدستوري والقانون الدولي خطيئة كبرى، خاصة وقد أُضفيت على الحدود الموروثة عن الاستعمار قداسة بمقتضى الاتفاقيات الدولية وبمقتضى ميثاق الاتحاد الأفريقي على نحو خاص.. لكن السلاح نزع عن تلك الحدود قدسيتها في العديد من الحالات منها، فيما يتعلق بالفضاء العربي الإسلامي أو ما شابهه، حالات باكستان وبنغلاديش (مع العلم بأنهما غير متصلتين جغرافيا أصلا)، وإثيوبيا وإريتريا، وإندونيسيا وتيمور الشرقية، والسودان وجنوب السودان، وهذه الأخيرة هي أحدث الحالات وربما أبلغها أثرا (واقعا أو متوقعا) في الخريطة العربية الإسلامية.

 

لقد نجح السلاح في إحداث عمليات جراحية فصلت المتصل في أجساد دول قائمة، ولكنه نجح أيضا – لحد الآن على الأقل – في منع الانفصال في حالات أخر، ربما كان من أبرزها المحافظة بشيء من القسر على الوحدة الطوعية لليمن، وتلك حالة يتيمة في الفضاء العربي الإسلامي خلال العصر الحديث تقرر فيها دولتان ذواتا سيادة أن تندمجا، ثم تحافظان على وحدتهما.

 

يعني ذلك أن السلاح قد ينجح في الفصل وقد ينجح – وإن على ندرة – في الوصل، فهل يعني ذلك أن استخدامه في حالة مالي أمر طبيعي، وخصوصا من أجل رتق ما فتقه السلاح نفسه من كيان هذا البلد بخريطته الموروثة عن الاستعمار؟

 

من المهم – أولا – الانتباه إلى جملة من الخصائص شبه الفارقة في الحالة المالية، نعرض بعضها أدناه:

 

– يعتبر الجزء المنفصل – بواقع الحال – متجانسا، دينيا على الأقل، مع الجزء الآخر، ومتواشجا معه تواشجا عميقا في التركيبة السكانية، بخلاف معظم الحالات السابقة، فالدين – وإن انضاف إليه غيره – يفصل بين السودان وجنوبه، وبين إندونيسيا وتيمور، وبين إثيوبيا وإريتريا إلى حد ملحوظ. وقد كان عاملا أساسيا في ميلاد دول أخرى مثل البوسنة والهرسك وكوسوفو في الفضاء الأوروبي، وهو محرك أساسي في الوضعية الدستورية الموعودة لإقليم بانغسامورو في الفلبين.. وهذا عامل يحسن الانتباه إليه، وإن لم يكن العامل الفاعل الحصري في جميع الحالات المذكورة.

 

– تمثل الحالة المالية أول حالة “تنجح” فيها حركة ذات مرجعية إسلامية معلنة في تقطيع أوصال دولة “ذات سيادة”. وهي إلى ذلك حركة، يصعب الجزم بأن لها سندا إقليميا بارزا، بينما اتكأ معظم حركات التمرد أو التحرر السابقة على دولة حاضنة أو راعية – أو أكثر – من دول الجوار.

 

– ينذر الانقلاب السريع في موازين القوى الداخلية للمجموعات التي شطرت البلد بأن النزاع هو نزاع شبكي معقد، فليس هو مواجهة بين طرفين فقط بل إن الطرف الذي بدا أولا متسقا في تلاوينه لم يلبث أن انشطر أطرافا أقصى بعضها بعضا، وإن إلى حين.. ولئن حدث ما يشبه ذلك في حالات سابقة فإنه في الحالة المذكورة أشد وطأة وشخوصا.

 

– تختلف الحركة المهيمنة حاليا في المناطق الثلاث (تمبكتو وغاوه وكيدال) عن ضرتها الحركة الوطنية لتحرير أزواد، في دعواها (أي حركة أنصار الدين) أنها لا تريد إقامة دولة مستقلة وإنما تحمل مشروعا مجتمعيا، هو مشروع تطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا مطلب لها سبق – تاريخيا – اقتطاع المناطق المذكورة، كما أكد لي ذلك الرئيس المالي السابق آمادو توماني توري، في لقاء سابق معه.

 

– تنداح الأزمة الراهنة في فضاء جغرافي وبشري واسع الامتداد مفتوح على مناطق شاسعة شبه سائبة تنتظم عدة بلدان، والأزمة من هذا الوجه هي أزمة إقليمية بامتياز.

 

– يتجه المسعى القائم لوصل المنفصل في الحالة المالية اتجاها حثيثا نحو أخذ طابع إقليمي – دولي، وخاصة في حملته العسكرية الموعودة، وهذه حال تكاد تكون غير مسبوقة، وهي تشير إلى أن ما كان نزاعا داخليا يمكن أن يكون بالحرب الموعودة نزاعا ذا طابع إقليمي.

 

– يهدف التدخل المسلح الإقليمي (وكذلك الدولي، باستصحاب جرعة من حسن الظن) في الحالة المالية إلى منع تفكك الدولة، بينما كان الضغط المسلح الخارجي، في معظم الحالات السابقة، يعمل في اتجاه تسهيل الولادة القيصرية لدول تبرز من رحم دول أكبر (حالات الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وما نسل منهما، مثلا…).

 

قد لا تعطينا ملاحظة هذه الخصائص إجابة واضحة عن مدى وجاهة “الحل” العسكري المزمع، كما أنها لا تسمح لنا بإصدار حكم قيمة مسبق على التدخل العسكري في حد ذاته، فقد يكون التدخل ضروريا لدرء ضرر أعظم، وقد يكون سليم المنطلق والغاية، بغض النظر عن طبيعة هذه الغاية وصلا أو فصلا. لكن تعقيدات الحالة المالية توحي – مع ذلك – بضرورة التريث في ركوب متن الحرب، خاصة وقد أثبت السلاح في تجارب عديدة سابقة وراهنة أنه قادر على التدمير لا على البناء، وأنه أقدر على فتق المرتتق منه على رتق المنفتق؛ وأثبتت التجارب أيضا أن من يملك قرار الحرب قد لا يملك قرار وقفها، وأن استخدام السلاح في بقعة ما كثيرا ما ينتج عنه اتساع رقعة المواجهة بانتشار السلاح المضاد في بقع أخرى مجاورة وغير مجاورة، وبانتقال الداء إلى الجيران بدل محاصرته في موقعه.

 

كما أثبتت التجارب أن للحرب ثمنا باهظا، كثيرا ما يدفعه مدنيون برآء، بينما يتحول المستهدفون الأساسيون إلى أشباح تصعب ملاحقتها وخيوط دخان يتعذر القبض عليها؛ ويتأكد هذا الاحتمال في صحراء تيهاء، مترامية الأطراف مشتبهة الأعلام… وتلك دروس وعبر يتعين استخلاصها من التجارب السابقة والمعيشة.

 

وعلى فرض أن الحرب – كما يروج لذلك كثيرون اليوم – هي العصا السحرية لحل المشكل، وأن صناعها سيكونون تلقائيا صناع سلام ووئام، وهو افتراض تصعب المراهنة عليه، فإنه من الضروري الانتباه إلى أن “آخر الدواء الكي” (هذا على فرض أن الحرب في مثل هذه الحالة دواء)، ولا شيء يسوغ البتة اللجوء إلى “آخر الدواء” إلا استعصاء الداء، وانسداد سائر السبل لعلاجه، حتى يحق لقائل أن يقول:

 

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا *** فما حيلة المضطر إلا ركوبها.

 

ولعل الأمر لم يصل بعد إلى هذا الحد في الأزمة المالية، فقد انحصرت محاولات الحل لحد الآن في دوائر سياسية وأمنية وعسكرية ضيقة، والحال أن هناك سبلا أخرى يتعين انتهاجها قبل الدخول في أزقة الحروب ودهاليزها ومآزقها الحرجة. ولعل من أهم هذه السبل استعمال القوة الناعمة: قوة الإقناع والحوار، خصوصا من لدن أولئك الذين يقتسمون مع الممسكين بالوضع في مناطق الشمال المستهدفة لغة مشتركة هي المرجعية الدينية. وإنما يمتلك تلك القوة الناعمة العلماء والدعاة الذين يملكون هذه اللغة المشتركة، فلماذا لا يتحركون، لرأب الصدع، ودرء الخطر الداهم؟

 

إن من مظاهر وهن الأمة اعتزال كثير من علمائها ودعاتها الشأن العام، وحصرهم العمل الديني في فتوى أو خطبة جمعة أو بيان، وهي أمور جليلة الشأن لكنها لا تغني عن العمل الصالح والسعي السديد الجماعي لمعالجة أدواء الأمة المستعصية، فأين هؤلاء الذين اختصهم الله بشرف التوقيع عنه والدعوة إليه والدلالة عليه، وجعلهم بذلك أقدر على الإمساك بأزمة القلوب وأعنة الضمائر من الحكام الذين لا يكاد سلطانهم يتجاوز القوالب، إن هو بلغها أصلا؟ لماذا يغمد سلاطين الكلمة الطيبة سيوفهم الناعمة كلما تعلق الأمر بإصلاح أوضاع الأمة ورأب صدوعها، وكأنهم يضعون مقالة أبي تمام في غير موضعها:

 

السيف أصدق أنباء من الكتب *** في حده الحد بين الجد واللعب

 

ولا ينشدون مع المتنبي:

 

الرأي قبل شجاعة الشجعان *** هو أول وهي المحل الثاني

 

ومن الرأي العلم والفكر والكلمة الطيبة.

 

لقد جاء القرآن – والسنة معه – بمنهج جلي واضح يقدم السعي لإصلاح ذات البين على تقحم معمعان القتال، كما تشهد بذلك آيات وأحاديث كثر. ولئن كان الخطاب في تلك النصوص المحكمة عاما، فإنه متجه بشكل أخص إلى أولي الأمر عامة وإلى العلماء خاصة، لقيام الحجة عليهم بعلمهم، ولامتلاكهم به قوة ناعمة لها من الفعل في القلوب ما ليس لغيرها، خصوصا في أزمات تلبس لبوس الدين بوجه من أوجه الاجتهاد خطأ كان أو صوابا.

 

لذلك، يتعين على علماء البلدان المجاورة لمالي وسائر علماء الأمة، بالتنسيق مع المجلس الإسلامي الأعلى في مالي، الإمساك بزمام المبادرة في السعي لمعالجة الأزمة ووقاية البلد والمنطقة من مخاطر حروب يصعب التكهن بتبعاتها ومآلاتها الوسيطة والبعيدة.

 

ويقتضي ذلك – على نحو خاص – إطلاق حوار عاجل شامل، لا إقصاء فيه، يشارك فيه نخبة من العلماء مع شخصيات تمثل حركة أنصار الدين وغيرها من الحركات الجهادية ومجموعات الحراك الشمالي، وتناقش فيها المسألة، من منطلق المرجعيات المشتركة، على أن يكون من جملة القضايا التي تثار في هذا النقاش، على سبيل المثال لا الحصر، تحرير مفهوم الجهاد وضوابطه وشروطه، والرد على تساؤلات محورية لصيقة بالموضوع مثل:

 

–       كيف ندرأ خطر الحرب من الخارج والتفكك والتشظي من الداخلي.

 

–       كيف نحفظ للمجتمع وحدته وسلامته، في كنف الإنصاف والإخاء، بما يحقق مصالح الشعب في المنطقة ومصالح الجيران ومصالح الأمة، ونحوها من مقاصد الشرع؟.

 

–       كيف نضمن إعلاء كلمة الله وتطبيق شرعه، ونتجنب الوقوع في منزلقات قد تؤدي إلى توهين الدين بدل التمكين له، وإلى التنفير منه بدل التبشير به؟.

 

–       ما هي ضوابط وشروط إقامة الحدود؟ وما هو الموقف الشرعي من مسألة هدم القبور والقباب والآثار، ومسألة دراسة البنات ونحوها من القضايا؟.

 

–       أي مكانة للمقاصد وفقه الواقع وفقه المآلات وفقه الأولويات وسنة التدرج في ضبط سلوك الجماعة المسلمة (والدولة المسلمة) في هذا العصر؟.

 

إن الحالة المالية، في شعبها الكبرى أو الأشد شوكة، هي حالة تقدم نفسها باسم الدين، ومن الضروري الرجوع إلى الدين واستعمال اللغة ذاتها، ابتغاء الوصول إلى رؤى مشتركة، تؤسس لمواقف مشتركة، عسى أن يكون فيها ما يجنب المنطقة، والأمة من ورائها، وربما العالم المزيد من الهزات الماحقة، لا سمح اللـه.

 

ويقتضي نجاح الحوار العاجل المنشود، اتخاذ جملة تدابير، يكون منها مثلا:

 

–       اضطلاع الهيئات الناظمة لعلماء المسلمين بانتخاب علماء متمكنين ودعاة حكماء لتكليفهم بخوض الحوار المنشود، مع التركيز على علماء المنطقة ودون استثناء غيرهم؛

 

–       تحديد موعد عاجل لهذا الحوار، بعد موسم الحج، على الأرض المالية أو في بلد مستضيف آخر؛

 

–       ضمان مشاركة أهل العلم وقادة الرأي من ممثلي مناطق الشمال في الحوار وتأمين سلامتهم؛

 

–       دعوة الدولة المالية ودول غرب إفريقيا وسائر الدول المجاورة والهيئات الإقليمية والدولية المعنية إلى التعاون من أجل تعليق قرار الحرب، وإعطاء الفرصة المناسبة لهذا الحوار، فليس من المنطقي أن ينظر إلى الخلاف على أساس أنه مجرد صراع مسلح، إذ هو قبل ذلك تدافع في الأنظار والآراء والصور الذهنية، لا تجدي النار كبير نفع في معالجته، خصوصا على المدى الوسيط والبعيد.

 

إن على الساسة والقادة العسكريين أن يقبلوا الاصطفاف برهة من الوقت خلف قوة أمن ودفاع ناعمة، تتشكل من شخصيات علمية ضليعة في علمها، حكيمة في دعوتها، مؤثرة بسمتها، تبذل جهدها فتوفق وتشكر، أو تفشل – لا قدر الله – فتُعذِر وتُعذَر.

 

ولعل مبادرة العلماء الحكماء في الأزمة المالية – إن أتيح لها أن تكون – تفتح الباب لمبادرات مماثلة يستعيد بها العلماء سلطانهم ويمارسون بها مسؤولياتهم في معالجة سائر مشاكل الأمة الساخنة، ويسهمون بها في نشر ثقافة الحوار والجدال بالتي هي أحسن.

 

نقلا عن الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى