المذكرة الصغيرة _ مشهد من الذاكرة

حين كنا نشرب الشاي في ظل نخيل تندوعلي بشنقيط

الزمان أنفو (نواكشوط): في تلك الزاوية الوادعة من شنقيط، حيث يخفّ وقع الزمن وتعلو همسات الماء، كنا نجلس على بساط بسيط، نُعدّ الشاي على مهل، كأننا نُصغي إلى شيء أعمق من الكلام.
كان خرير الماء يتسلّل بين جذوع النخيل، رقيقًا كأنّه أنفاس الأرض، يشقّ طريقه في هدوء، محاطًا بعراجين التمور المتدلية: صفراء من نخيل “سلمدينة”، وسوداء ضاربة إلى الحمرة من “الحمر”، في لوحة لا تُرى كل يوم، ولا تُنسى بسهولة.
تحت النخيل، كان النعناع ينبت بعفوية، كأنّه جزء من هذا المشهد القديم، يمنح المكان رائحته الخضراء الطازجة. وعلى مقربة، تمتد أحواض الجزر، مرتبة في هدوء، تُروى بماء العين التي لا يتجاوز طولها عشرة أمتار، لكنها تكفي لتمنح الحياة لكل هذا الجمال.
غير بعيد، كانت عين أخرى تعمل بماكنة صينية (گروب)، لا تتوقف عن الزمجرة، ترفع الماء بإصرار إلى الأعلى حتى يمتلئ الحوض. صوتها، على قسوته، كان جزءًا من المشهد، يذكّر بأن للحياة دائمًا جانبها العملي، حتى في أكثر لحظاتها شاعرية.
كنا نشرب الشاي هناك، لا على سبيل العادة، بل كطقسٍ صغير من طقوس الامتنان. كل شيء حولنا كان حيًّا: الماء، النخيل، النعناع، وحتى ذلك الصوت المعدني القادم من الماكنة… كأن المكان كله يشاركنا الجلسة.
وفي تلك اللحظات، لم نكن نفكر في شيء بعيد. فقط نكتفي بأن نكون هناك… حيث يكفي خرير الماء، ورائحة النعناع، ليقولا كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى