المذكرة الصغيرة _مشهد من الذاكرة

عبدالله محمدالفتح:
في زاوية هادئة من ليل نواكشوط، حين يهدأ صخب المدينة، وتصفو الروح لشيء من التلاوة، أدركتُ أن سورة الفاتحة — على قِصَرها — تختبر فينا ما هو أبعد من الحفظ: تختبر الإنصات، والصدق، وإتقان الحرف.
كم نقرأها كل يوم، وقلّما ننتبه إلى أن بين حروفها أمانة خفية… أمانة الأداء.
ومن الأخطاء الشائعة التي وقفتُ عليها، أو سمعناها مرارًا دون انتباه:
عدم تحقيق همزة الوصل مفتوحة في كلمة الحمد، فتُقرأ على عجلٍ دون تمكين.

عدم خفض الفك السفلي عند نطق الحروف المكسورة، فيفقد الصوتُ رقته وانسيابه.
إهمال صفات الحروف الساكنة المظهرة، حتى تُسمع مقلقلةً بغير موضعها؛ كاللام الساكنة في العالمين، والواو في يوم، حيث تُهمل صفة الرخاوة.
عدم تشديد الياء في إيّاك، فيضيع أحد الحرفين، وكأن المعنى قد اختُزل دون إذن.
عدم إعطاء حرف العين صفته، فيميل صوته إلى الهاء، فتبهت نبرته وتضيع هيبته.
إهمال صفات السين والصاد من رخاوة وهمس وصفير في نستعين والصراط، حتى تكاد تُسمع مقلقلةً، وهي أبعد ما تكون عن ذلك.
عدم تفخيم الحروف المفخمة في مثل غير والمغضوب، فيختل ميزان الترقيق والتفخيم.
عدم إشباع المد في الضالّين، مع إهمال تشديد اللام، فينقص المد ويضيع التضعيف.
ليست هذه ملاحظات للتشديد على الناس، بل دعوةٌ للرفق بالحرف، ولإعادة الإصغاء لما نقرأه كل يوم.
فالفاتحة ليست مجرد افتتاحٍ للصلاة، بل ميزانُها الخفي… وكل حرف فيها، إذا أُعطي حقه، أعاد ترتيب شيءٍ في داخلنا.
هكذا تعلّمتُ — متأخرًا ربما — أن جودة التلاوة ليست ترفًا، بل شكلٌ من أشكال الصدق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى