الفُلْفُلْ
فاطمة انجيان

الزمان انفو : كبرنا في بيتٍ يعجّ بالأهل والأقارب، دون أن يكون هناك فرقٌ ملحوظ بين من ينحدر من جهة الخؤولة أو الأعمام. حتى إننا تربّينا وسط أعضاء من العائلة لا يربطنا بهم غير دمِ الودّ ومحبة الإنسان؛ مثل محمد فال الملقّب «افيليلي»، وهو الذي صرتُ أناديه في أواخر عمره بـ«الفلفل»، لسببٍ سيتّضح.
كان مما شاهدته من أبي ولاحظته على مرّ السنين أنه لم يرَ ما يَسُرّ أحدًا من أهله — مما يدخل في إطار الرفق أو الفضيلة — إلا هيّأ له الظروف بقدر استطاعته، دون أن يَمُنّ، حتى يُخيّل إليك أن الأمر حدث بالصدفة دون تدخّل منه.
حدث ذلك حين احتوى قدومَ فاليلي ليسكن معه والوالدة قبل ولادة بِكرِ أبي، محمد البشير. وطال مقام فاليلي بيننا أعوامًا وأعوامًا، حتى صار من البيت لا ضيفًا عليه.
لقد فتحتُ عينيّ على فاليلي ونحن نناديه بالخال كما نعمل بمقتضى صفة النداء.
كان مميّزًا بسلوكه الخاص فيما يتعلق بنظافته وهيئته؛ يلبس ثيابًا أجود من لباس الوالد، ويستحمّ أحيانًا مرتين في اليوم، مُطلقًا أثناءهما أنواعًا من الصراخ مثل: «لحمير، مرو، وعر عر عر».
كان شديد الأنفة والكبر، لا يقبل نِدًّا فيما يدّعيه من النسب، غير أخته «اعويستو» كما كان يناديها، أو «محمدَمين» كما كان ينادي الوالد. وبحسب أهواء فاليلي ومزاجه كان يُدخل في دائرة الأقارب من عبر إلى قلبه، ويُخرج من عافه، دون أيّ اعتبارٍ لسنٍّ أو رتبةٍ أو موقعٍ أو صفة. وكان رحمه الله يستغل أحيانًا الشعور بالأمان ليُغلظ لمن اعتبره أساء إليه قولًا أو فعلًا كيلَ الشتائم كلما شاء.
فاليلي يكره البعضَ ممن لم يرق له ويرضى عن البعض الآخر بمقاييسه هو فقط. له في حياتنا قصصٌ كثيرة؛ فقد أضحكنا وأبكانا. ورغم تخلّفه العقلي الواضح، فقد أظهر في مختلف أفراحنا وأحزاننا مشاعر صادقة يفتقر إليها بعضُ كاملي الأهلية ممن جمعتنا بهم أواصر القربى ودروب الحياة.
كان الوالد يسهر على أن يأخذ فاليلي المكان الأماميّ المريح في السيارة في أسفارنا إلى شنقيط. يتحدث إليه ويوليه اهتمامه كما يتحدث إلينا جميعًا، ويزيده وصايا تجعله يحس بأنه المسؤول الأول عنا حتى نرجع.
وكان يستقبل غضبه بضحكاتٍ وابتساماتٍ قادرة على تعديل المزاج ولو بعد حين.

أذكر أن فاليلي كان يغضب إن ذهب الوالد إلى عشاء خارج المنزل دون أن يرافقه، ويتوعّده بأن «عيسات» ستغضب عليه.
حدث أن صرخ في وجه الجميع بعد أن لاحظ وجود عسكريٍّ وصل إلى البيت — وقد تدلّى منه أنبوب تصفية السوائل موصول بكيسٍ تتجمع فيه — يريد مقابلة الوالد لحاجةٍ بدت متعلقةً بالعلاج.
ما إن رأى فاليلي الرجل حتى أطلق صفّارات الإنذار، وجلس يحول دون خروج الصغار؛ فبحسبه: «اخليتو جاكم زرازيم (الجراثيم)».
رجع الوالد من دوامه ليجد الرجل في انتظاره. وقبل أن يتصفّح ملفًّا ناوله إياه، دخل فاليلي عليهما — دون أن يقترب — ونادى الوالد معاتبًا: «يا بوي، متبرّيين منك، زيبن مرضا يعدون… نحن مان اصنادرة… اخليتون».
كان الوالد يقول كلمته الشهيرة عند كل حرجٍ يتسبّب فيه فاليلي: «أح، امش الهيه يعدل فيك». يقولها ويُردف: «أراه ذ مخلوق مولان جاتو»، ليفهم من لا يعرف خصوصية أهلية فاليلي، وغالبًا ما يرتاح الجميع بعد تفهم حالته.
وكان يضحك رحمه الله حين يأتي فاليلي غاضبًا من تزويج إحدى البنات؛ تارةً بدعوى أنها «ماه عاقلة ولهي اتوحّلنا»، وتارةً بدعوى أنها صغيرة على العرس، ومرات لأن الكنية الفلانية للعريس لا تناسبنا.
لفاليلي مشكلة مع الأسماء والألقاب التي يعاملها معاملة الأشخاص من حيث أخذ المواقف؛ فبعض الأسماء بالنسبة له لا يجوز حتى نطقها، والبعض يحيل إلى «س ماه واضح»، وبعضها محبَّب خاصة الذي يرتبط بما يحبه هو أو يجلّه.
كان الوالد رحمه الله يحيله إلى أخته «عيسات» عند كل اعتراض، فيقول ممازحًا: «ذاك ألا شقايل، أختك گيسها الهيه». فيردّ فاليلي: «ماگد اسميها». فيقول الوالد، وقد تعالت ضحكته قليلًا: «حتان يبوي مانگد»، فيُغلق فاليلي الموضوع قائلًا: «هاذي هي، وحل حگ».
تزوج فاليلي مرتين لم يستمر فيهما الزواج كثيرًا؛ هجر فيهما الأولى بدعوى أنها عايرته بعدم انتمائه لأسرة أهل الدرويش، وعاف الأخيرة لما رآها تفطر صباحًا والجميع حينها قلق على صحة العمة السالكة منت انجيان في بداية مرضها رحمها الله.
لم تفلح مساعي الصلح لدى فاليلي حتى وقع الانفصال، ومرت سنوات وهو يذكر بأن من يأكل و«نحن گلوبن زلعين» لا يجدر به أن يكون من العائلة.
كانت الوالدة عندما تقول له بأنها تريد أن ترى له ولدًا يجيبها: «ايو ماطاهم مولان… ايو اسواسو؟».
على مرّ السنين التي منحنا الله فاليلي في حياتنا لم نشعر أبدًا أنه أقرب لأهل الدرويش من أهل انجيان أو العكس، لكني أذكر ذات مساء وقت «الذهبي» كنت أريد مشاكسته فقلت له: هل يمكن أن تشهد أني ابنة انجيان حتى أصلح أوراقي؟ فقال لي: «حت أمال اخلاگة راسي آن گاعد». قلت له: ماذا ستقول؟ فكّر قليلًا وكأنه يعدّ شيئًا بأصابعه ثم قال: «إن گولهم بوك أرحوم اخلگتي اسغيرة وأمك عيسات». فطلبت أن يزيد من المعلومات المتعلقة بالوالد فقال: «والله… واحد من سنقيط أمو مريم وني بيها كانت احكملي أعش». فقلت له: ووالده؟ فصرخ فجأة في وجهي وهو يشير بالنفي: «آها ديان آن ما عرفو ماگط شافتو عيني ما گد أشهد أعليه».
انتابتنا نوبة من الضحك من شدة انفعاله ورفضه المتكرر أن تتضمن شهادته شيئًا عن جدّي انجيان… ضحكنا من فكاهته وتعلمنا من صدقه.
اختار فاليلي أن يستقر لأعوام في مدينة نواذيبو بعد أن وجد فيها معارف تعينه على غربةٍ وجدها مؤنسة؛ فبحسب تفسيره لنا أنه يجد هناك «زو بارد وكمي حت بانبورو واظحك». والحقيقة أن فاليلي يحب بالفعل الجو البارد والفكاهة وأن يدخن المالبورو بدون رقيب يضع الحدود.
ومع كل ذلك واصل فاليلي التعلق بنا من خلال انتمائه الكبير لصلات الدم والودّ والصداقة؛ فبين مقامه لدى أرملة العقيد المغفور له الددّه ولد اسويداحمد (صديق الوالد وأهل وده) الفاضلة خدي منت مكناس وأهل يحي ولد سيدات وأهل ممو، مارس فاليلي ما اعتبره دومًا واجبه الأساسي من حيث الاهتمام والعاطفة حدّ التكفل بالتوجيه مثلًا؛ فبحسب فاليلي: «لابد عود كيف بوهم ما عدل خاسر» يقصد أولاد اسويداحمد.
استقر فاليلي وجال بين بعض أهل نواذيبو الآخرين الذين راقت له بيوتهم وأساليب حياتهم التي تقدس الشاي ومجلسًا يتسع للفكاهة ولآرائه التي تشمل كل مجال عام ومتخصص دون خوف.
مقامٌ في العاصمة الاقتصادية تخلّلته زيارات لنا كلما ضاق صدره بأشخاص أو ألمّ به مرض لم يطمئن لعلاجه هناك، قبل أن يستقر بيننا بعد أن تكالبت عليه أمراض مزمنة وخذلته قوّته، وأوهنه ضعفُ الكِبَر.
ورغم كل التعب والألم، كانت قوة إيمان فاليلي يغبطه عليها كل عاقل سليم.
أذكر أنه كان يكرر عند دخول المستشفى «يامولان العافية»، وعند كل خروج يلهج بالحمد، وعند كل ألم يناجي ربه بدعاء واضح التعبير بليغ المعنى.
ومن بين الأمراض المزمنة التي ألمّت به وأثرت على حياته إصابته بضغط الدم في العيون، وكان من أصعب ما مرّ به. وبعد أن لاحظ تراجع قدرته البصرية أصبح يكرر الدعاء بـ«ياربي فاليلي تم راعي افش الين موت».
لا يمكنني الحديث عن مرض فاليلي دون أن أحمد الله أن منحنا منحة التكفل بخالٍ طريفٍ محبٍّ طيبٍ مثله، وأن أشكر أطباء نبلاء وإنسانيين منحوه عنايتهم دون مقابل، نسأل الله أن يحسن الجزاء لهم، وأذكر منهم: الطبيب الجراح المتخصص في الأمراض الباطنية العقيد أشريف جدو ميني، والطبيب الجراح المتخصص في المسالك البولية العقيد الطاهر بوظاية، والطبيب المتخصص في أمراض العيون عبد الله الخرشي.
ومن طرف فاليلي حتى في المرض أننا كنا بانتظار دخوله غرفة العمليات لاستئصال المرارة، فنادى المنادي باسم محمد فال، فوقفنا جميعًا لمرافقته لآخر مكان يسمح بذلك، فلم يقم فاليلي ولم يتحرك، فقلت له: «ايو بسم الله الناس عيطولك». فأجابني: لقد نادَوا باسم محمد فال وأنا لست محمد فال. فضحكتُ قليلًا وقلت له: وما اسمك إذًا؟ ففاجأني: اسمي محمد… محمد! ومنذ متى اسمك محمد؟ فقال لي: «أنت أمال اسمك فاطمة». أجبته بنعم، فقال لي: «ايو الناس اتگولك متو وهو ماه اسمك»، حتان مان فاليلي مان محمد فال آن محمد.
ضحكنا لبرهة قبل أن نقنعه بضرورة إجراء العملية ليزول الألم وتُنقذ حياته من المضاعفات المحتملة.
كنت أناديه في أعوامه الأخيرة بـ«الفلفل»؛ فكان إذا صفا حلا وإذا تعكّر حارّ، وكان في كل الحالات يضيف نكهة لحياتنا لم نستغنِ عنها في حياته ولم ننسَها في غيابه.
في كل كلام فاليلي وتحليلاته وتعبيراته يمكن أن تلاحظ منه وضعيته العقلية الخاصة، إلا ما يتعلق بالإيمان وقيم الوفاء وحب الخير فإنه ينافس فيه العقلاء والحكماء، ولا أزكي على الله أحدًا.
لقد تعلّق فاليلي بالوالد رحمه الله — «ارحوم» كما كان يدعوه — حتى إنه قال لنا ذات ضحى، قبل وفاته بأيام: لقد تعبت من المرض وأتعبتكم معي، وأريد أن أموت. بدا الأمر غريبًا، لأنه طالما أحبّ الحياة وكره كل ما قد يؤدي إلى الموت في اعتقاده.
تبادر كلٌّ منا بقول: الخير الخير… نظر إلى الوالدة وقال لها بكلماتٍ كأنها استقامت أخيرًا: أريد أن تدفنوني بجواره، فأنا سأموت قريبًا. نهرته الوالدة من هول ما تلفّظ به، فما لبث أن رجع إلى مزاج الطرافة والضحك.
اشتد المرض على فاليلي بعدها بأسابيع قليلة، قبل أن يفارق الحياة كما تمنّى، ويُدفن إلى جوار من تعلّق به كما طلب.
لم نعرف له رحمًا في حياته، حتى ظهر له أخٌ لم يتقبّله والوالد حيّ. ثم وجدنا له أقارب بعد رحيله، حين بحثنا عمّن نسلّمه ما تركه من مالٍ وثيابٍ وأثاثٍ صار تركةً تنتظر رحم الدم والعصب — رحم الله الجميع.
وغير فاليلي، من الشخصيات العابرة والماكثة في حياة أبي كثيرون؛ رحم الله من قضى منهم، وأطال عمر البقية.
فاطمة محمد الأمين انجيان



