رسالة مفتوحة: من جمهورية التنديد إلى جمهورية الحلول إشعال شمعة خيرٌ من لعن الظلام

الزمان أنفو ( نواكشوط):
فخامة رئيس الجمهورية،
إن أخطر ما يهدد أمتنا اليوم ليس الشر في حد ذاته، بل عجزنا الجماعي عن إيجاد طريق للخروج منه.
ففي كل يوم، يسمع الموريتانيون عن الفساد، واختلاس الأموال العامة، وغسل الأموال، واستغلال النفوذ، وتحويل الثروات إلى الخارج، والاتجار بالمخدرات، والأدوية المزوّرة، والمواد الغذائية منتهية الصلاحية، وانتشار الأمراض، واختلالات الدولة والإدارة، والاتجاربمواقع النفوذ السياسية والدبلوماسية، و«الاتجار بحقوق الإنسان الزائفة ـ إضافة إلى تراجع قيم المجتمع وتدهور الاقتصاد… والقائمة تطول.
كل هذه الوقائع تُدان، وتُناقش، وتُضخَّم، وأحيانًا تُستغل.
ومع ذلك، فكلما كثرت التنديدات، غاب عن النقاش العام سؤالٌ جوهري:
كيف نضع حدًا لهذه الآفات؟
وهنا، في رأيي، يكمن الخطر الحقيقي.
لقد أصبحنا بارعين في التشخيص، وخبراء في التنديد. نعرف كيف نحدد الأخطاء، ونكشف الجراح، ونُبرز مواطن الفشل.
لكننا نعجز عن رسم طريق التعافي.
إن هذا الاختلال بين كثرة الانتقادات وندرة الحلول يمثل اليوم إحدى أكبر نقاط الضعف في جمهوريتنا.
لقد بات النقاش العام يختزل تدريجيًا في سلسلة متواصلة من موجات الغضب والاستنكار. وتصنع وسائل التواصل الاجتماعي كل يوم محاكمها الشعبية. فهناك مواطنون مخلصون يعبرون عن معاناتهم بكرامة، وهناك آخرون تحركهم سوء النية أو الجهل أو أحيانًا مصالح خفية، أو الاتجار بالمواقف السياسية والدبلوماسية وبحقوق الإنسان الزائفة ـ ـ فيساهمون في حملة منهجية لتشويه صورة المؤسسات وصورة الوطن.
وهذا الخلط بالغ الخطورة.
فحين لا يعود المجتمع يُنتج إلا متهمين، ويكاد يخلو من البنّائين، فإنه يهيئ بنفسه أسباب ضعفه.
وقد كتب ابن خلدون: «إن الدول لا تزول أولًا بسبب نقص الثروة، وإنما بسبب ضعف تماسكها وتضامنها.»
ومن ثم قد تترتب نتيجتان.
الأولى هي الأخطر لأنها تتسلل بصمت.
فعندما يرى المواطن الفضائح نفسها تتكرر دون أن تعقبها إصلاحات عميقة، يعتاد الشر تدريجيًا. فلا يعود الفساد صادمًا، ولا اختلاس المال العام مستهجنًا، ويبدو غسل الأموال أمرًا لا مفر منه، لتحل الاستقالة واليأس محل الأمل.
إن الأمة التي تعتاد جراحها تكف تدريجيًا عن السعي إلى مداواتها.
أما النتيجة الثانية فهي أشد خطورة.
فعندما تصبح الانتقادات غاية في حد ذاتها، وعندما يحل هدم القائم محل إصلاحه، وعندما تُجرد كل سلطة من مشروعيتها، وتصبح كل مؤسسة موضع سخرية، يدخل المجتمع في منطق القطيعة الدائمة.
وقد قال مونتسكيو: «يبدأ الفساد عندما تكف القوانين عن أن تكون أقوى من المصالح الخاصة.» وعندما لا تُحكم الدولة بسيادة القانون، بل بالامتيازات أو النفوذ أو المصالح الخاصة، فإن الذي يضعف ليس المؤسسات وحدها، بل يتصدع أيضًا عقد الثقة بين الجمهورية والمواطنين.
ويُظهر التاريخ الحديث للعديد من الدول أن الدول لا تنهار فقط تحت وطأة الفساد، بل تنهار أيضًا عندما تختفي الثقة الجماعية في إمكانية إصلاحها.
وقد بدأت تظهر بالفعل مؤشرات مقلقة.
فهي تتجلى في حدة النقاش العام، وفي بعض الممارسات الإعلامية، وفي الخطابات السياسية، وأحيانًا حتى داخل قاعات البرلمان. كما تتجلى في تآكل القيم المدنية وفي التوترات التي تعبر مجتمعنا.
ولم يعد الخطر يقتصر على سوء الأداء.
بل أصبح خطر التفكك.
وأمام هذا الواقع، لا أؤمن بالحلول السحرية ولا بالشعارات.
بل أؤمن بوجود أولوية وطنية.
علينا أن نغيّر مركز النقاش.
فمنذ سنوات، تهيمن على حياتنا العامة أربعة أسئلة:
من؟
متى؟
أين؟
ولماذا؟
غير أن السؤال الوحيد القادر على تغيير مستقبلنا حقًا يكاد يكون غائبًا:
كيف؟
كيف نضع حدًا دائمًا للفساد؟
كيف نمنع اختلاس الموارد العامة؟
كيف نجفف منابع غسل الأموال؟
كيف نحمي المؤسسات من تضارب المصالح؟
كيف نعيد بناء إدارة تقوم على الكفاءة والمسؤولية والأخلاق؟
كيف نستبدل الممارسات السيئة بقواعد راسخة، ومؤسسات موثوقة، وثقافة قائمة على النزاهة؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق نهضة وطنية حقيقية.
ولهذا أقترح على فخامتكم الدعوة إلى نقاش وطني كبير، وليس إلى حوار وطني، لا بهدف إعادة توزيع السلطة أو إحياء الانقسامات السياسية، وإنما لحشد كل طاقات الوطن الفكرية حول مهمة واحدة: إنتاج أفكار للحلول، بل حلول ـ بحرف كبير ـ لكل مشكلة كبرى.
وينبغي أن يضم هذا النقاش القانونيين، والاقتصاديين، والإداريين، والأكاديميين، ورواد الأعمال، وممثلي المجتمع المدني، والشباب، والمنتخبين، وكبار خدام الدولة النزيهين السابقين، والخبراء الوطنيين، وخبراء من الدول الصديقة، وخبراء دوليين.
وليس الهدف إضافة تشخيصات جديدة.
فنحن نعرفها جميعًا.
بل الهدف هو إعداد خارطة طريق وطنية دقيقة، قابلة للقياس، وقابلة للتطبيق.
وقد عبّر العرب قديمًا عن هذه الحكمة بقولهم:
«خيرٌ أن تشعل شمعةً واحدة من أن تلعن الظلام ألف مرة.»
إن وطننا بحاجة إلى تلك الشمعة.
لا إلى نور عابر.
بل إلى نور يهدي طريق الإصلاح.
فخامة رئيس الجمهورية،
إن التاريخ يمنحكم اليوم فرصة لطرح سؤال لم يجرؤ أحد من قبل على طرحه.
وأعتقد أن أهم سؤال اليوم هو:
كيف نضع حدًا نهائيًا للفساد، واختلاس الموارد العامة، وغسل الأموال، وتدهور الحوكمة، وبأي مؤسسات، وبأي قيم، وبأي ممارسات يمكن أن نستبدلها؟
فإذا أصبح هذا السؤال هو الأولوية الوطنية، فسيتوقف وطننا عن الدوران في الحلقة المفرغة.
وسيتقدم إلى الأمام.
وبدلًا من تكاثر المحاكمات ومحاكمات النوايا، أفلا يجدر بنا أن ننظم ذكاءنا الجماعي حول طموح وطني مشترك؟
فلنحوّل النقد إلى مشروع، والتشخيص إلى إصلاح، والأمل إلى عمل
***
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس
13 يوليو 2026



