القمة الروسية الإفريقية الثالثة.. مناخ للتعاون وفرص للمكاسب
بقلم: أحمد طالب المعلوم

الزمان أنفو (نواكشوط): انطلقت صباح الأربعاء 28 أكتوبر 2026، في العاصمة الروسية موسكو، أعمال القمة الروسية الإفريقية الثالثة، بإشراف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبحضور فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى جانب عدد من رؤساء الدول والحكومات وممثلين عن 48 دولة إفريقية.
وتنعقد القمة في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتصاعد المنافسة على الموارد والأسواق، واحتدام التنافس على مناطق النفوذ، الأمر الذي يضفي على هذا اللقاء أهمية استراتيجية خاصة، في ظل سعي الدول الإفريقية إلى تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز قدراتها الاقتصادية والتنموية.
وفي خضم هذه التحولات، تأتي القمة الروسية الإفريقية الثالثة لرسم ملامح أكثر وضوحًا للعلاقات بين روسيا والقارة الإفريقية، وفتح آفاق أرحب أمام الدول الإفريقية لتحقيق تنمية مستدامة، وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا، من خلال تنويع الشراكات، وتبادل الخبرات، وتطوير المعارف والتكنولوجيا، بما يعزز استقلال القرار الوطني الإفريقي.
وتظل الرهانات الحقيقية لهذه القمة مرتبطة بمدى القدرة على تحويل الوعود السياسية والتفاهمات الدبلوماسية إلى مشاريع عملية وملموسة، تحقق مكاسب مباشرة لشعوب القارة، وتستجيب لتطلعاتها في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
موريتانيا.. فرص لتعزيز الشراكة
وتشكل القمة فرصة مهمة لموريتانيا لتعزيز علاقاتها مع روسيا، وتوسيع مجالات التعاون الثنائي، خصوصًا في القطاعات الأمنية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، بما يفتح المجال أمام إبرام اتفاقيات وشراكات تخدم المصالح المشتركة للبلدين.
كما تتيح هذه القمة لموريتانيا، على غرار بقية الدول الإفريقية، فرصة الاستفادة من الإمكانات الروسية في مجالات الاستثمار والتبادل التجاري ونقل التكنولوجيا، وتطوير القدرات الإنتاجية، بما يدعم الجهود الوطنية الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز فرص النمو.
وعلى المستوى القاري، يُنتظر أن تفتح القمة آفاقًا أوسع أمام البلدان الإفريقية لتطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري مع روسيا، وزيادة حجم المبادلات التجارية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التصنيع المحلي، وتطوير سلاسل القيمة والإنتاج المشترك.
ومن شأن هذه التوجهات، إذا ما ترجمت إلى برامج عملية واتفاقيات قابلة للتنفيذ، أن تسهم في دعم التنمية الاقتصادية في القارة، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز قدرة الدول الإفريقية على استثمار مواردها الطبيعية بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
روسيا تعرض توسيع مجالات التعاون
وتكتسب القمة أهمية إضافية بالنظر إلى ما توفره من إطار سياسي واقتصادي يجمع القادة الأفارقة والمسؤولين الروس، ويتيح بحث فرص إقامة شراكة استراتيجية أكثر شمولًا، تستفيد فيها الدول الإفريقية من إمكانات المؤسسات المالية والشركات والجامعات ومراكز البحث الروسية.
ويمثل هذا التوجه فرصة للانتقال بالعلاقات الروسية الإفريقية من التعاون الثنائي المحدود إلى رؤية أوسع تقوم على المصالح المتبادلة، وتستجيب للأولويات التنموية للقارة، مع التركيز على نقل الخبرات وتوطين الإنتاج وتطوير القدرات المحلية.
وفي كلمته خلال اليوم الأول من القمة، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده لتقديم الدعم للدول الإفريقية في مجال توطين الإنتاج ونقل الخبرات، بما يساعدها على تعزيز الاكتفاء الذاتي، والحد من الاعتماد على استيراد المنتجات التي يمكن تصنيعها محليًا.
وأشار بوتين إلى أن تطوير القدرات الإنتاجية من شأنه أن يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتعزيز القاعدة الاقتصادية للدول الإفريقية.
كما أبدى استعداد روسيا لتوسيع التعاون مع البلدان الإفريقية في المجال المالي، بالاستفادة من إمكانات النظام المالي الروسي القائم على التكنولوجيا الحديثة، إلى جانب دعم الشركات الروسية للحلول التقنية التي تتيح تنفيذ المعاملات المصرفية في القارة.
وشملت مجالات التعاون التي تناولها الرئيس الروسي قطاعات الصحة والأدوية، والتبادل الأكاديمي، والإعلام والثقافة والرياضة، فضلًا عن الاستثمار والأمن والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والزراعة والطاقة والمساعدات الإنسانية.
وفي المجال الرياضي، شدد بوتين على أهمية إبعاد الرياضة عن التجاذبات السياسية، بما يسمح بتعزيز التبادل الرياضي وتطوير العلاقات بين الشعوب.
من التفاهمات السياسية إلى المكاسب الملموسة
إن تعدد المجالات المطروحة للتعاون يعكس اتساع فرص الشراكة بين روسيا وإفريقيا، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا بشأن قدرة هذه القمة على تجاوز الإعلانات السياسية إلى نتائج ملموسة، تستجيب للاحتياجات الفعلية للدول الإفريقية.
فالقارة لا تحتاج إلى شراكات تقتصر على تبادل الزيارات والتصريحات، بقدر ما تحتاج إلى استثمارات منتجة، ومشاريع صناعية، ونقل فعلي للتكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي والصحي والطاقوي.
كما أن نجاح هذه الشراكات يظل مرتبطًا بمدى احترام المصالح المتبادلة، ووضوح الالتزامات، وتوفير آليات فعالة لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات، وضمان انعكاس نتائجها على حياة المواطنين.

وبالنسبة لموريتانيا، فإن الرهان يتمثل في استثمار هذه المناسبة لتعزيز علاقاتها الخارجية على أسس عملية، وتوجيه التعاون نحو القطاعات ذات الأولوية الوطنية، بما يخدم التنمية الاقتصادية، ويعزز قدرات البلاد الإنتاجية، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب.
وهكذا، تتطلع الشعوب الإفريقية إلى ما ستسفر عنه اجتماعات القمة الروسية الإفريقية الثالثة من تفاهمات واتفاقيات وشراكات، على أمل أن تتحول إلى مكاسب حقيقية تلبي بعض تطلعاتها، وتدعم مسارات التنمية والاستقرار، وتمنح التعاون الإفريقي الروسي مضمونًا عمليًا يتجاوز حدود الخطاب السياسي.

