النظرة الدونية… صدأ في عقل المجتمع / الولي ولد سيدي هيبه

  يعاني المجتمع الموريتاني في تشكيلته الاجتماعية عموما و في دائرة تركيبته النفسية و تأثيراتها من جور التمييز الطبقي والفئوي، حيث تعرضت في الماضي بعض الشرائح الاجتماعية فيه لأنواع مختلفة من الحيف الشديد والنظرة الدونية المثبطة، خاصة ذوي الحرف والمهن اليدوية: كـالمزارعين من الأرقاء والرعاة والحدادين و المغنيين في المجتمع العربي و غيرهم كثير في المجتمع الزنجي على اختلاف إثنياته كصيادي السمك و صانعي النعل ودباغي الجلود و اللائحة طويلة.   و لكن بهذا ليست وحدها موريتانيا، على هذا الكوكب الذي يضج بآلاف أنماط التقسيمات المجتمعية، من تنتشر في بنيتها التقسيمية هذه النظرة الدونية الظالمة إلى البعض من فئاتها في قاعدة الهرم التي استضعفتها ظروف تاريخية قاهرة و سلطت عليها صروف الدهر و حركته المتقلبة المزاج و الغريبة الأطوار سياطها الجارحة فأضعفتها حتى باتت لقمة سائغة لغيرها ممن أنصفتها على العكس من الفئات القوية نتيجة للتنشئة الاجتماعية الخاطئة وغرس بعض المفاهيم حول تفوق عرق أو شعب بعينه. و هي المفاهيم التي غرست لدى الأفراد والجماعات عقدة الفوقية و الاستئثار و الامتياز. و إن المجتمعات العربية و مثلها المجتمعات الزنجية عانت بشكل فظيع في الماضي و تعاني بشكل يتناقص نتيجة الوعي و حراك التحرر في حيز هذا المسار التقييمي الاعتباري و التراتبي من انتشار العنصرية و الطبقية وما كرستاه من “نظرة دونية” تجاه القوميات والجنسيات و الطبقات حتى باتت منتشرة بين العرب و الزنوج أنفسهم. و هو المسار الذي تمخض عنه كذلك الشعور المتبادل: – بالتعالي في النسب و المعنى والفوقية عموديا، – و في الامتياز المادي و السلطوي أفقيا، بين مكوناتهم وبدرجات متفاوتة بالإضافة إلى انتشار السلوكيات العنصرية بمفهومها الشامل مما أدى إلى التباعد بين مواطني الدول و خلخلة اللحمة فيها و تغييب السكينة التي هي مقياس الاستقرار و الأمان الأول، و خلق شعور الغل والحقد بينهم و التمكين للجهل المستبد بعقول الكثيرين من جهة، وللتعاطي الإعلامي السلبي مع الخلافات بين المكونات لثقافة الكراهية والعنصرية بين الإخوة في الوطن و المصالح و المصير المشترك بحلوه و مره من جهة أخرى.   في هذا السياق و على وقع ما يجري من تحولات بهذا الصدد سألني أحد الإعلاميين البارزين هل ما إذا كنت أعني عمليا تبنى ما أسماه “الدعوة إلى النداءات الفئوية” نتيجة الظهور احيانا إلى جانب منظمي تظاهرات سلمية مرخصة تسلط الضوء عبر وسائل الإعلام المرئية و المسموعة على حالة استياء بعض المواطنين في شرائح بعينها من النظرة الدونية التي تعانيها و ضاقت بها ذرعا و من الإقصاء المتمخض عنها بالنتيجة؟ فأجبت على الفور:   – إن الذي تسمعه أذناي و تراه عيناي غير ما لا أراه و أسمعه يُستنكر لفظا أو يُؤتى عملا. فرد بأسرع مما أجبته و عيناه لا تخفيان استغرابا و خلو بال عفوي من حصول إجابة في مثل هذا الحد من السذاجة المخالفة أو بالأحرى المقاطعة للمنطق الاجتماعي المعهود عنده بالفطرة و للغة المجتمعية السائدة الناطقة في فصاحتها و في هزلها ببنيته القاعدية الراسخة رسوخ الجبال:   – كيف أنك لا ترى ما يراه غيرك و لا تسمع؟ و بما أنني لا أجيد مطلقا فن الجدل و لا أطيق اللعب بالألفاظ بعيدا عن مداركها الصحيحة في أي حيز يبعد عن النظرة الموضوعية و المجردة من اعتبارات الواقع أيا كانت، فقد اكتفيت بالقول: – أنا أكره النظرة الدونية التي تُرمق بها بعض شرائح الأمة من لمعلمين و “إيكاون” و “آزناكه” و “لحراطين” و من “تبلات” “بايلو”  و “كيول” و “كايناكو”و “تك” وغيرهم في مجتمعاتنا الزنجي بكل مكوناته، كما أكره النظرة ذاتها في المجتمعات الأوروبية و الآسيوية  التي يصطلي بها الغجر من “الجتان” و “البوهيم” و غيرهم  و”المنبوذين” من المجتمعات العرقية الصغيرة في شبه الجزيرة الهندية بمفهومها الجغرافي الواسع و في الصين و شعب “الأبوريجين” الأسترالي الأصلي و غينيا و غيرها من المنتشرة في الجزر و الأرخبيلات الموزعة بين القارات الثلاثة وفي محميات الهنود الحمر في الولايات المتحدة الآمريكية وكندا من التي تعتز بخصوصياتها و تتشبث بها رغم الزوابع و الأعاصير التي لا تكف عن التربص بها و الفتك أحيانا بعيدا عن إملاءات الإنسانية و ضوابطها.   و قد قلت له أيضا: بهذا و في هذا العصر الفريد بما يوحي به و يجسد من تلاقي الإنسانية على كل القواسم المشتركة بين البشر وما بدأ يلوح من نتائج ألمعية علماء الدين الإسلامي الحنيف من قوة و نضج تأويل نصوصه التي لا يأتيها الباطل بما جاء به من الحق  و العدل و الإنصاف، فإنني لست أنشد و لست أخشى في آن أية مواجهة مع أي كان في أمر يرقى بكل أبعاده و أهميته القصوى إلى قضية أنا أومن بها في قرار نفسي و بأن لا أحد، يتمتع بعقل سوي و نزاهة فكرية سليمة، يعارضني فيها علما بأنها ليست في شيء ملكي دونه، و بأنها من أرفع درجات الوعي النبيل و أرهف علامات الإنسانية الفائقة و أعلى درجات القدرة في التسامي على الاعتبارات من هذا المستوى القطعِيِ التخلف و البالغِ الرجعية المدمرة و الموغلة في ظلامية الفكر و العداء الغيرِ معلوم، من فرط تراكمات الجهل، للدين الإسلامي الحنيف في رسالته السامية المتعالية عن أدران النفوس المسكونة بالكبر و الاستعلاء، و العادلة الخالدة التي رفعت الإنسان إلى درجة الاستخلاف في الأرض، و نبذت بأمرها بالعدل في الحكم و الاستقامة في التصرف كل أصناف التراتبية و الانتقائية و التسلطية. إن المطالبة بحق الاعتبار و رفع القهر النفسي المصطنع و الجور التسلطي المادي الإقصائي هو حق مشروع يكفله الشرع الإلهي منذ فجر الإسلام و تدافع عنه النظرة الدينية المتجددة بتجدد العصر و خروج المفاهيم من براثين الجمود و ما تمليه على “الوضعي” في دائرة اعتباره للقيم الإنسانية و تحت مظلة الديمقراطية التي أصبحت نهجا عالميا يعمل بوقود مساواة شعوب البيت الكوني في الحقوق و الأدوار.   من هنا فإنه لا بد في ظل غياب السياق العلمي و خور نخبه و تعثر السياق السياسي في متاهات الصراعات العقيمة على الريادة الوهمية، أن يتقبل ضمير المجتمع في توحد يمليه – و لا مفر من أن يَفرضه عليه التجديد نفسُه – الحراكُ “المطالباتي” إن جاز التعبير، تديره اليوم كل الفئات التي ما زالت واقعة تحت التأثير النفسي للدونية و الإحساس بالغبن و بالتغييب المادي المُمَنهج في ظل الاعتبارات الطبقية داخل نظام القبيلة و في القوالب و ضمن التقسيمات المماثلة وسط الإثنيات الزنجية. كما أنه لا بد حتما أن يستجيب عن وعي بالغ ذاك الضمير الجمعوي لنداء الوطن من منطلق النزاهة الفكرية و الأمانة العلمية و أن يشحذ الهمة و يحفز الإرادة الصادقة في سبيل إحلال العدالة لبناء دولة القانون و نشر و إتباع مناهج المساواة. بهذا الوعي النابع من إدراك الشعب عمليا و من تلقاء نفسه و من منطلق الإستشعار الدقيق لضرورة إحقاق المساواة و فتح سبل التكامل الذي هو وحده الكفيل بضمان الاستقرار و بإحقاق الأمن و الأمان للجميع فيجعلهم تلقائيا في خندق الوطن المشترك يبنونه بسواعد متشابكة و يحمونه بصدور مفعمة بحب التضحية و الفداء. و هو الإحساس إن حصل الذي يحفز حتما أصحاب القرار إلى الإصابة في رسم السياسات و الدقة في إعداد الخطط و التوفيق في بسط قوة القانون بعدالة و صرامة. لكن سيظل غياب هذا الوعي على مستوى القاعدة الشعبية التي هي العامل الأبرز بذلك في تعمد إبقاء طوائف قليلة على مستوى إملاء المنهاج القائم الذي يستمد كل قوته و نفوذه من إحكام قبضة المفاهيم الرجعية و الإقطاعية و استحكام كل أوجههما البشعة: – في توزيع القوة و الضعف، – و السلطة و التبعية، – و الغنى و الفقر، – و قتل الوعي و روافده، – و سيادة الحيف و توابعه، على هذه الربوع التي إن عمها العدل و المساواة يوما كفت أهلها من خيراتها و أسكنتهم بأمن في رحابها الممتدة في كل الآفاق و كانت قبلة لمنشدي العدالة و السعادة من غير شعبها على الأطراف من الجوار و غيره من عوالم أبعد.    

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى