نفحة ربانية في محبة خير البرية

الزمان ـ أتلذذ منذ زمن طويل بقراءة قصيدة لابن الفارض رحمه الله في مدح خير البرية صلى الله عليه و سلم. دائما ما تستوقفني منها هذه الأبيات:

 كملت محاسنه فلو أهدى السنا للبدر عند تمامه لم يخسف

 و على تفنن واصفيه بحسنه يفنى الزمان و فيه ما لم يوصف.

ولطالما احثثت  قريحتي قدما وقدحت زناد فكري لمعرفة هذه الأوصاف المكنونة واليواقيت المخزونة. و لما لم أفلح في ذلك، وجهت وجهي لعلام الغيوب أن يلهمني من لدنه معرفة بعض منها و يلقنني المفردات النورانية التي تعبر عنها حتى أقول في حقه صلى الله عليه و سلم ما لم يسبقني إليه من الأولين و الآخرين أمهر المادحين و لا أصدق المحبين. و إلى أن يستجيب الله دعوتي، أقول و بالله التوفيق:

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبي الهدى، وعين الرحمة الفياضة بالأنوار والقيم والمثل والكمال البشري… محمد بن عبد الله، النبي المرسل، حامل أيقونة الوحي السماوي ومبلغ آخر رسالة سماوية إلى البشرية، ناشر الحب والسلام والحياة والأمل والتفاؤل والبشر والخير، الرجل الرمز الذي منَّ الله على البرية ببعثته رحمة مهداة، جعلها شفاء لما في الصدور و هدى و رحمة للمؤمنين، فأزال ظلمة الضلال المدلهمة، فإذا همت أفواه الأباطيل بإطفاء نوره أبى الله إلا أن يتمه، حين أشرق به مصباح الهداية، و قد كاد أن يهم بالانطفا، و اتضح منهج الحق بعدما اندرس رسمه و عفا، برسالته التي شرح الله بها الصدور و شفا، و انهار بها ركن الباطل بعدما صار من الغواية على شفا، فأكمل الله به المنة على البرية، و أحيى به موؤدات المعارف الإلهية في فترة الجاهلية، وبجهاده ونضاله من أجل البشرية يغرف كل مرتاد من القيم و الأخلاق الحميدة الفاضلة الراقية ما يشاء ، غرفا من البحر أو رشفا من الديم.. فصلى الله عليه و زاده تبجيلا و تكريما، كما أمر بذلك فقال صلوا عليه و سلموا تسليما، و على عترته الطاهرة الزكية و أصحابه أولي الهداية و الأفضلية الذين باعوا له أرواحهم بالجنة و سلموا له تسليما. اللهم شفعه فينا و اجعله مقبلا علينا و راض عنا يا كريم. إن الله اصطفى آدم و نوحا و آل إبراهيم و آل عمران على العالمين، و اصطفى عليهم جميعا نبيه و حبيبه و مصطفاه، سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم. فهو صفوة المصطفين الأخيار و نخبة النخب و خيار الخيار، صلى الله عليه صلاة كاملة دائمة، يشارك فيها الأزل الأبد و لا يشاركه فيها من خلق الله أحد، صلاة لا تخبر فتحد و لا تحصر فتعد، صلاة لا تصل صلاة أعلى درجات المقربين لها في الأزل إلى بداية، و لم تزل دائمة الترقي في كل لمحة و لن تزال كذلك فليس لها نهاية. هذا و لا يخفى على أحد أن سيدنا و مولانا و نبينا أبا القاسم محمدا صلى الله عليه و سلم هو في كل وصف جميل أفضل الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و جميع عباد الله الصالحين و كافة خلق الله أجمعين إفرادا و إجمالا. فلا يمكن، بل لا يجوز مقارنته بشيء من ذلك، إذ لا سبيل إلى معرفة فضائله صلى الله عليه و سلم و مزاياه معرفة تحيط بها من كل الوجوه، و لو اجتمع لذلك كل من سواه ، إذ لا يعرف حقيقته و قدره و لا يحيط بفضائله إلا الله. و ما زال مهرة العلماء يغوصون في لجج بحور فضائله الزواخر، فيستخرجون منها روائع اللآلي و بدائع الجواهر، فمنهم من نظمها عقودا زين بها جيد الزمان و منهم من نثرها على بساط البسيطة، فاستغنى بها أهل المعرفة و الإيمان و كونه صلى الله عليه و سلم خير مرسل و خير الخلق على الإطلاق، مما لا يمتري فيه إلا معاند أو كفور. فقد قال صلى الله عليه و سلم: “أنا سيد ولد آدم و لا فخر، و بيدي لواء الحمد و لا فخر، و ما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، و أنا أول شافع و أول مشفع و لا فخر”. رواه أحمد و الترمذي و ابن ماجه. أما بعد، في هذا الظرف الرديء، الزمن البالغ السوء بفعل أمم تخطفها الجور، وانصاعت لشهوة الدم، والغدر، والفساد في الأرض.. في البر والبحر والجو، الأمم المتهافتة على احتقار الإرث الإنساني الكبير… في زمن صارت فيه الآلة أفضل عند الإنسان من أخيه، وصارت معدة الإنسان مكان كل إنسان وأنسنة… في هذا الزمن الذي لا نجد فيه أمة واحدة سعيدة، حتى أغنى وأقوى أمم الأرض لا يوجد فيها بيت واحد آمن، ولا عاصمة إلا وترتعد خوفا.. في هذا الزمن الذي ضاعت فيه بعد القدس والأندلس… بغداد، ودمشق، وبيروت وصنعاء، بيد حثالة العقائد الفاسدة المفسدة، العقائد التي أذكتها نار الحقد المجوسي ضد قوم محمد وجوهر رسالته وبيضة دينه.. في هذا الزمن نتذكر عظماء الإنسانية، وخاصة أعظم رجالات البشرية على الإطلاق.. كيف لا.. و وضع الكوكب الأرضي مناقض تماما لروح بعثته الخيرة، بعثة الرجل المنقذ لكوكب الإيمان، وفي هذا الظرف الذي تطل علينا فيه ذكرى المولد النبوي الشريف، نتذكر أو يجب أن تكون لنا وقفة مع ذكراه، بل مع توكيد البيعة لمحبته و طاعته و نصرته، كلها فضائل أوجبها الله على المسلمين السابق منهم و اللاحق، من الأزل إلى الأبد، و أناط بها صحة إيماننا. و الآيات القرآنية الدالة على ذلك كثيرة:  “فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما” ¬¬(المحصنات 65). “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم” (آل عمران 31) “ما كان لآهل المدينة و من حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله و لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه” (التوبة 120) “فالذين آمنوا به و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذي أنزل معه ألئك هم المفلحون” (الأنفال 157)  “إلا تنصروه فقد نصره الله” (التوبة 40)  “و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن. قل هو أذن خير لكم، يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين و رحمة للذين آمنوا منكم و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم” (التوبة 61) “لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا. فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (النور 63) “يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله و اتقوا الله إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم و أنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. لهم مغفرة و أجر عظيم” (الحجرات 1). السلام عليك يا رسول الله… فداك أبي وأمي.. وإنه لمن سخرية الزمن وقهرية الظرف أن تُستهدف من ديار الدين، فنحنُ في ديار أفرغت من الناسِ إلا من رحم ربك.. وصار للدمى أن تتدبرَ من غير حياء.. فتتطاول على جنابك الأسمى و مقامك الأسنى.. وأنت من أنت عند الله والمؤمنين الذين يستظلون بك من كل قيظ دهريِّ وزعه شيطان أو إنسان.. السلام عليك يا حبيبي، ويا قرة عيني، وبردا يخالج حشاي، ويثلج صدري، يا نورا يملأ الأكوانَ، وهديا وسع الدنيا لو علم الإنس والجان، يا رحمة الرحمن، ومنة المنان، يا رسولَ النور والخير والهدي والسعادة والحبور.. يا سيدَ المنبرِ، النذير البشير.. والرسول الأخير.. أشهدُ الله أني أحببتك وفضلتك على الوالد والولد.. وأن أمنيتي أن أكون رفيقك في جنة الخلد. كيف أكتبُ عنك يا رسول الله، وقد مدحك و زكاك و برأك و طهرك ربي عز وجل.. فما عسى عبد الله أن يكتب أو يذكر؟! ولكن إن هي إلا كلماتٌ يعبر بها العبد عما يجيش في صدره من حبّ لعبد الله ورسوله وحجته على الناس.. فإذا كتبتُ عنك يا حبيبي صارَ حبري عسلا، وأوراقي زبدة وسكرا مطحونا، وكان الخيرُ، وأنسمَ الحبّ وأزهرَ النفَسُ، وتوردت السعادة… لقد آن لأنساق القرون والأحقاب أن تنصفكَ.. وما أنصفك إلا رب العالمين.. كل حرف عنك يا حبيبي هوّ أنشودة ربانية، تلاحينها نبض القلب وأنفاس المؤمن، وهي تنثرُ الظلّ الحنونَ.. يا رسول الله… كيف أصفُ شمائل ما يصل إليها وصفٌ ولا تعبيرٌ، تلك الشمائل التي أحسن صنعها فيك العلي القدير اللطيف الخبير.. كيف وأنا العبد الجاهل الفقير.. يا حبيبي يا رسول الله.. إن قلبي تقاسمه الفرح والحزن.. الفرح لأنه ما من مقام أعلى لبشر من قبلك أو بعدك.. والفرح لأني آمنت بك وأنا معذور لضعفي وقلة حيلتي فيما قصرتُ فيه من تتبعِ هديك.. والحزنُ… لأن نفوسا صغيرة مهينة و لا تكاد تبين، تتطاول على جنابك العالي، غير عارفة بأنك أنت عين الرحمة الربانية و نور الأكوان المتكونة، صاحب الحق الرباني ، وملاذ البشرية في باذخ الإيمان.. يا للدمع العاجز.. ويا للحزنِ العاري من الدمع..! يا للسيوف التي لا تبترُ غير غمدها، ويا للنخوة التي تسقى كأس المهانة والمذلة… ويا لأمة أنت فيها تهان وعرضك لا يصان.. إن عرضي لعرضك يا رسول الله فداءُ.. إنّ عرضي وأبي وأمي – وأزيد بعشيري- لعرضك فداءُ.. ما أزهد الناس في الناس حينَ تنهش عرضك الكلاب ولا تتكسر الحراب في الرقاب، فتضربَ حيث صولة حق، لتنصف حبيب الحق. ما أعظمك يا سيدي وأحقر الناكرين… ما أصدقك وأجبن المفترين.. ما أجملك وأقبح الجاحدين الكافرين.. شاهت وجوهٌ تعاف النور، إنها حقول جهنم حيث طبقات الظلام التي لا تزهرُ سوى سمّ الأفاعي والعقاربِ، ولا تحسنُ من الصوت غيرَ نعيق البومِ ووط الخفافيش.. لقد فصلت حناجرهم على الفحيح، النباح، العواء، النهيق، النعيق، وحينَ تختمرُ نفوسهم لؤما تسمعُ لها عرير الصراصير. لله من زمن ينهش فيه عرض محمد في ديار الإسلام..! في بلاد شنقيط ، أرض المنارة و الرباط الطاهرة… أرض العرفان و التقاء و النقاء، أرض محبة و وداد و توقير و نصرة نبي الهدى محمد بن عبد الله. فوالله.. ما من عبارات ولا كلمات ولا شعر ولا نثر يمكن أن يصل مستوى ما هو مطلوب من إدانة لأبشع جريمة ما كان يمكن أن نتصورها تصدر من هذا البلد. فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونُشهد الله أننا نستنكر ونُدين هذا الفعل الشنيع، ونُشهد الله أننا نفدي رسول الله بمهجنا وإنا لمحزونون و غاضبون، لأن الضلال الأسود صار يتجرأُ على الخطوط الحمراء. صلى الله عليك وسلم.. ما كان أعظمَ وأعلى وأثمرَ ما زرعتَ لو كانوا يعلمون. فأنتَ نخيل الروح، وثمرُ النور، وماء الحياة.. أنتَ سلالة الأخلاق وأول ميناء للقرآن.. أنتَ النُّور الربانيُّ، الرسولُ الأميُّ، أنتَ السيد الهاشميُّ، أنتَ نجل آمنة، وخريج الشـِّعْبِ، ما بين مكة والمدينة خطوت مسيرة النبض العالي.. فأي وتر يعزفُ لك.. ليتني بين ظهرانيكن يا نساء المدينة بين الثنية والوداع، فأنشد أنشودة بحبر من ماء السماء.. أنت الحبيبُ أبو القاسم، محمد، أحمد، الهادي، المصطفى، المختار، الماحي، المقفّي، الحاشر، العاقب، نبي التوبة والرحمة والمرحمة، والملحمة، حبيب الرحمن. المختار، الصادق الأمين، إمام المتقين، وسيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين. أيها: المزمل.. المدثر.. المنذر…الشاهد.. السراج المنير. أنت الحبيب يا ابن عبد المطلبْ.. أنت الرسول لا كذبْ.. كم أنا أشفق و أحزن على بلدي و هو في هذه المحنة يتأرجح بين غضبين: غضب الجبار المنتقم إن لم يحكم بما أنزل الله مما أجمع عليه علماء الأمة في حق المسيء إلى الجناب الشريف، و غضب الغرب الصهيو المسيحي إن هو حكم شرع الله. و شتان ما بين الغضبين. و رحم الله أبو فراس الحمداني حيث يقول:  فليـتك تحلو والحيـاة مـريـــرة * وليـتك ترضـى والأنـام غضـاب  وليـت الذي بيـني وبينـك عامر * وبـيني وبيـن العــالمين خـراب  إذاصـح منك الود فـــالكل هيـن * وكـل الذي فوق الـتراب تـراب   ثم إنه “من يتقي الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب. و من يتوكل على الله فهو حسبه”. و الحمد لله أولا و آخرا.

 

الشيخ ولد حرمة ولد ببانا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى