شبكوا يرحمكم الله

  alt

 

بقلم: عبد الرحمن ودادي.

 

في سنوات طفولتي بدمشق كان هناك برنامج اسمه الشرطة في خدمة الشعب يعرض المجرمين المقبوض عليهم من كل شكل ولون.

مازالت في مخيلتي حلقات لمشعوذين بلحاهم وسمتهم النوراني وهم يشرحون طرق احتيالهم بصوت خفيض مرتعش وعينين كسيرتين.

عدت لموريتانيا وصدمت لمشاهدة نماذج البرنامج في الحياة العامة وتعجبت من تقصير الدولة في القبض عليهم!

الغريب انه بمرور السنوات حدث ازديادا مطرد في انتشار الخرافة وتحولت لأشكال منظمة و علنية.

في العقود الماضية كانت تنحصر ظاهريا في العوام والنساء الجاهلات أو في نطاق مشيخيات تقليديةويغلب على المتعلمين رفضها واستنكارها.

الآن أصبحت عيادات طرد العفاريت وتوزيع البصاق تنافس المستشفيات في روادها وأخذت القنوات الإعلامية تساهم في الترويج الفج لها، ووصل الأمر الى فتاوي كبار رجال الدين بجواز الزواج بالجان وأضحى استنكار هذه الممارسات بابا يفتح على صاحبه انواع الاتهامات بالكفر والزندقة.

الغريب انني اكتشفت وجود حواضر تتخذ الصوفية لبوسا ويتوزع أبناؤها في أرجاء العالم يتصيدون الضحاياو يقاس مقام المريد فيها بعدد الضحايا الذين يجلبهم لمشائخه أو ضخامة ما يتحصل عليه من النصب و الاحتيال، ووصل الأمردرجة تحول الدراعة الموريتانية في ارجاء العالم الى مغناطيس لجذب المهتمين بالخزعبلات و الدجل.

الظاهرة الجديدة والخطيرة ان الشعوذة داخل البلاد خرجت عن الإطار التقليدي الذي لا يتجاوز عادة قيمة الدية التي يعتبرها المشعوذونفي العادة الحد الأقصى بل تحولت الى صناعة مالية تعتمد على شراء عقارات الآلاف من الأشخاص وتمددت لتصل سوق السيارات بل الإبل والأغنام.

شخصيا استطعت التأكد ان خمس اشخاص فقط بلغت ديونهم لعصابة الدجل العقاري خمس مليارات وعشرات الحالات التي لا تقل تعاملات ادناها عن العشرين مليون، منها شراء عقار بمئة مليون تسدد بعد سنة ليباع بعد يوم واحد ب 23 مليونا ،وشاهدت منزلا في أرقى احياء العاصمة مباعا ب 14 مليونا في حين يستحيل ان تقل تكاليف بنائه مع سعر الأرض عن اربعة اضعاف هذا المبلغ..

هالة القداسة تبخرت بين العديد  من المتعاملين الذين عجزوا عن استرداد أموالهم و المأساة ظهرت للعيان و الشكاوي دخلت أروقة المحاكم و أصوات التهديد و الوعيد تتعالى في أوكار العصابة التي أخذت تتخبط بعد انسحاب ولد الصحراوي من المشهد وعجزه عن الاستمرار في الدفع الذي اعلن عنه السنة الماضية* – بعد ظهور مقال لي يكشف العملية **- و انشغاله بديون شركة النجاح المهولة مما اضطر كبيرهم لإصدار بيان*** يحاول فيه تهدئة الضحايا بعد عجزه عن الدفع للعديدين و أخذت العصابة مع اهتزاز مصداقيتها القيام بتعاملات بنسب جنونية كأخذ  8 ملايين مقابل28 مليون لثلاثة أشهر لسداد بعض الضحايا ممن لا يمتلكون روحا رياضية و ابدوا استعدادهم للعنف.

بيان زعيم العصابة يبرر التعاملات الغريبة التي تصل فيها الخسارة غالبا ل 400 في المائة لعام واحد بالخوف من الربى متجاهلا ان معظم البنوك تتعامل بطرق اسلامية ولا تتجاوز نسبة المرابحة 15 في المائة للسنة.

المضحك انه يعد بالسداد وبالحلال – ما شاء الله قلبه عامر بالإيمان – علما انه لا يمارس أي نشاط سوى شراء عقارات الناس وبيعها بالخسارة فلا حل إذا امام الضحايا الا السعي والدعاء لسقوط آخرين في الشرك.

الحقيقة البسيطة اننا من أكثر دول العالم أمية وفي فترات معينة كان وجود نخبة حاكمة مثقفة عاملا لإضعاف الخرافة ولكن حكم العسكر أتاح وصول الجهلة لدفة قيادة البلاد لتحدث المساواة بين الحاكم والمحكوم ونغوص سوية في بحار الجهل ولجج الظلمات.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى