عباس ابراهام يكتب: إحباط

أنا لا أحتقِر الناس. أنا أقرأ الروايات. والإنسان بالنسبة لي ليس أكثر من قصة سخيفة لها منطِقُها من داخلها وليس لها معنى من خارِجها. والذين احتقرتُهم، وقليلٌ ما هم، احتقرتُهم في صمت. بل وجحدتُ عن نفس أنني احتقرتُهم؛ ذلك أن الاحتقار يقتضى أملاً في الإنسان. وهذا الامل ليس عندي. بكلِّ سرور. والسياسي عندي هو دون بقية الناس؛ لأنه يزعم الاصطفاء، بل والقدرة على العِلاج بينما هو سبب المشاكل، علاوة أنه موبوء بأشنع الأمراض.

إلاّ أن الأيام الماضية في موريتانيا أعادت إليَ شعوراً بالإزدراء لا أتذكّره فيَ إلاّ أيام ولد الطايع. ولعلّ السبب في هذا كان مشاهداتي الشخصية والعينية. فقد كانت هنالك موريتانيتان. في المساء كانت شرطة الجنرال عزيز تقمع المعارضة من كهول وشباب بالهراوات والغاز وتكسر أضلع مناضليها وتُطارِدهم وتصفعَهم على القفا وتسجنهم. أما في الليل فكانت صورة أورويلية تُقدّم عن موريتانيا الديمقراطية والمتناغِمة والحرة في تعبيرها وإرادتها. كلّ “الأشراف” الذين انضموا للنظام لم يستطيعوا تقديم “خدمة شفهية”، كما يقول الإنجليز، يدينون فيها هذا. تصامموا كالحمير. وفي أيام ولد الطايع كان القمع يُبرّر بحجج أمنية أو تنموية وبغمغمات تعكس مشكلة ما في الضمير. أما اليوم فإنه يمشي في الجُملة وأصبح مبتذلاً ولم يعد الأتقياء مسؤولون حتّى عن التنائي عنه أو حتّى إنكاره. وقد زعم الوزير الغوبلزي أن كلّ أضلاع المعارضة المكسورة كانت تمثيلاً.

صورة أخرى أثارت حنقي. فأنا كنتُ أتجوّل في المساء في وسط المدينة: عاصِمة قذرة ونتنة بفعل خدمات عامة في غاية السوء. العاصمة تُشبه عصراً مغولياً. والمواطِن في حالة بائسة من الصراع على لقمة العيش بالكفاف وبالشرف (وأحياناً، زربّما نادراً، بالتسوّل وبالاحتيال وبالجريمة)؛ وهو مثقل بالمكوس والابتزاز والمطاردة وسوء الخدمات. وكانت تلك الموريتانيا المطحونة متعدّدة الأعراق واللغات. ولكن في المساء كانت تظهر موريتانيا أخرى في التلفزيونات. موريتانيا الطبقة العُليا من زبدة القبائل البيضانية، موريتانيا الوافِرة، المِخملية، المنتعِشة، التي تقريباً من عِرق واحد ولون وتتكلّم لغة واحدة. إن النظام على عهد الجنرال عزيز أصبح عائلة حميمية تتناول عشاءها وتقوم بمهرجاناتِها ومؤتمراتِها على الملأ. إنّها عائلة واحدة صغيرة متداخِلة بالتصاهر والتزاور والمضاربة؛ وهي ستمضي إرادتها ليس فقط بقهر الآخرين، بل بكتمان اختناقاتِهم.

لقد انتهت الأيام الماضية بترسيم موريتانيتيْن، لكلِّ منهما علم ولكلٍّ منهما مطالب مختلِفة. وإن كان هنالك شيء أحتقِره فإنه ذلك الصمت والتواطئ. لقد احترمتُ دوماً قرارات أصدِقائي في الانضمام لأنظمة أعتبِرها مُجرِمة. ولكن عجزهم عن الكلام، اختناقهم، حشرجاتهم، كان إحباطاً كبيراً بالنسبة لي على المستوى الشخصي.

 

من صفحة الكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى