بوعماتو وعزيز والحلقة الضائعة( رأي)

alt

إن محاربة الفساد لا تفرق بين كبار المسؤولين وصغارهم ولا بين الأقــرباء والغـرباء. ولنا في رسولنا الكريم وقدوتنا مثل أعلى في قوله في الحديث الشّـريف : ” إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد و أيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ” متفق عليه.

من هذا المنطلق ينبغي للقائمين على الشّـأن العام الرّافعين شعار محاربة الفساد أحد أهم شعارات المرحلة الحالية التّعامل بالصّرامة والحزم بعيدا عن” تصفية الحسابات الشّخصية” مع كل ما من شأنه المساهمة في نمو وتطوير اقتصادنا المترنح منذو سنيـن خلت تحت وطأة الفساد والتّسييـر الغير معقلن والبعيد كل البعد عن الشّفافية، تمثل ذلك في إعفاء بعض النّافذين من دفع الضّرائب المترتّبة عليهم، وإعفاء آخرين من رسوم جمركية نتيجة لدعم سخـيّ قدّموه لهذا المرشح أو ذاك ، من هذا المنطلق أردت التّمهيد لقضية شغلت ولا تـزال تشغل الرّأي العام الموريتاني “من الصّحفيّـيـن من صبّ الزّيت على نارها ومنهم من ينتظر”، لكن قصة الخلاف وأسبابه بين بوعماتو وعزيز تبقى السّؤال الأكثر تعقيدا في تحليل العلاقة المضطربة بين الرّجلين، لأنه من الصّعب على أغلب الموريتانيين تناسي الزّخم الذي حظيّ به رجل الأعمال ولد بوعماتو مع وصول الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز إلى السّلطة ، فأين كانت سلطة الضّرائب طيلة هذه الفترة ؟. ولماذا ظهرت بالتّزامن مع الخلاف الذي أشيع مؤخرا ؟. والذي قيل إن اجتماعا على مستوى القبيلة عقد لاحتوائه، بالمقابل لماذا لا نحسن الظّــن بإدارة الضّرائب ونقول إنّ الرئيس” أطلق لها العنان” و”وضع لها الحبل على الغارب” من اجل أن تقوم بواجبها على الوجه الأكمل وبدون تدخل من أي كان حتى ولو كان هو شخصيّا خصوصا بعد “حادثة الصّينيّـيـن” الشـّهيرة وهذا ما نأمله!!!.

وفي المقابل لماذا قامت بعض المؤسسات العمومية بحذف مصرف GBM المملوك لولد بو عماتو من قائمة البنوك والمصارف التي يتمّ التّعامل معها من خلالها؟!!!. أم أنّ المصائب لا تأتي فرادى ؟.

بالمقابل أيضا لماذا لا نفترض سلفا حسن نيّة رئيس الجمهورية ونعتبره لمس وترا حسّاسا طالما تشـدّق بيه مناوئوه وهو محاسبة الأهل “أبناء العمومة” والأصدقاء بعد أن ظلّوا في منأى عن المحاسبة ، وانطلاقا من الفرضية الأخيرة ارتأيت تقديم لمحة مقتضبة عن محاربة الفساد وسبل مواجهته والذي اعتبرته الحلقة الضّائعة في الصّراع الأخير بين بوعماتو وعزيـز !!!.

فالفساد يعـزى على المستوى المحلي إلى السّلوكيات غير المنضبطة من الموظفين والمواطنين ورجال الأعمال والسياسيين، وغياب الإرادة السّياسية للتّعامل مع الفساد وضعف المجتمع المدني، وعدم فاعلية وسائل الإعلام. كما أن هناك أسبابا مؤسسية تتمثل في الافتقار إلى الشّفـافية، وعدم إتاحة المعلومات للمواطنين، وضعف المساءلة والعقوبات المفروضة، ومعدلات الأجور المنخفضة، وظروف العمل السّـيّـئة، والتّعيينات على غير أساس الجدارة. بالإضافة إلى ذلك ، فإنه إذا لم تتم إدارة عملية اللاّمركزية بعناية فقد تخلق حافزا أكبر لتغليب المصلحة الخاصّة على المصلحة العامّـة.

وينبغي للقائمين على الشّــأن العام الاستفادة من الخبرة الدّولية في مكافحة الفساد على المستوى المحلّي، لأنه لا يوجد نمط موحد لوضع استراتيجيه ناجحة لمكافحة الفساد على المستوى المحلّي، وإن الحـلّ الأمثل هو وضع استراتيجيه شاملة تأخذ في الحسبان تكامل المبادرات بين المحلّـيّات، والـرّبط بين الجهود على المستوى المحلي و القومي.

كما اعتمدت أغلب استراتيجيات مكافحة الفساد على عدد من الآليات، من أهمها: “تحسين الشفافية والمساءلة، وتقييم الإرادة السياسية ونقاط الدخـول، وتشجيع مشاركة المواطن، وإتباع منهج شامل للإصلاح، لأن أهـم ّمخاطر الفساد على المستوى المحلى تتمثل في إهدار الأموال العامّة، وسوء تخصيص الموارد وإمكانات التنمية في الوحدات المحلية، وعدم كفاءة الخدمات العامّة المقدمة للمواطنين، وإضعاف المناخ الاستثماري، وانخفاض النّمو الاقتصادي في المحلـيّـات”. كما يقوّض الفساد الأهداف الاجتماعية، و الاقتصادية، والبيئية، والسياسية للوحدة المحلية.

ولدي قناعة راسخة بأنّ الفساد في موريتانيا تتحكّم فيه الثّقافة السّائدة، والمزاج الموريتاني العام، وأن مسألة الشّـفافية والمساءلة واحترام القانون تحتاج إلى إعادة تصحيح وتوضيح وتوعيّة، وأن هذا المزاج مكتسب ونتاج سيّاق مجتمعي معيّن، وسيستغرق بعض الوقت “تغيـير عقـل وفـؤاد”، أي منظومة القيّم.

لأن مشكلة مكافحة الفساد متعلقة بالديمقراطية الحـقّــة ، وإنفاذ القانون، وتنفيذ الأحكام والإطار الاجتماعي والاقتصادي “السّياسات الاجتماعية والاقتصادية”، والحـدّ الأدنى والحـدّ الأقصى “العدالة الاجتماعية”، وأهمية التّجديد الثّقافي والتّربوي وترسيخ قيم الإسلام النّبيلة ، ومفهوم النّفس اللّـوامة ” الضّمـيـر”، .

من هنا أقول أن الفساد آفة من صنع البشر, وليس أدلّ على ذلك من قول الله تعالى:( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)] سورة الروم ،الآية 41 [.

وعليه فإن محاربة الفساد أول ما تكون بمحاربة هوى النّـفس ومجاهدتها على ترك الهوى والأنانيّة والنّظر إلى الصّالح العام. لذلك كانت “الانتخابات النّـيـّابيّة “هي الوسيلة اللاّزمة لاختيار الأنسب والأصلح للقيام بهذا العمل.

والمشكلة تكمن في نوعية من نختار وننتخب…. لكنها بالمحصلة النّهائية هي مشكلتنا كمواطنين وليست مشكلة الذي ينجح لأننا نحن من أوصلناه للمقعد النّـيـّابي , حيث لا يجدي النّـدم ..وهكذا تدور الـدّائرة بين انتخاب لا يقوم على أسس معيارية وبين نواب هم مخرجات اختيارنا..

من أجل ذلك أقول أن الشّعارات الـرّنّـانـة والكبيرة التي لا تستطيع دولة أن تنجـزها من يطلقها لا يستحـقّ أن يكون نائـبـا لأنّ الشّعـار الأساسي والممكن هو الذي يمكن تطبيقه فـورا.

وهذه شعاراتي التي أتمنى قراءتها في الانتخابات ….

“راتبي النـّيّـابي للفقراء والمحتاجين” ” خصوصا إذا انتهت مأموريتي وحالت الظّـروف دون إعادة انتخابي أو انتخاب آخـر مكاني”

“المواءمة بين القدرة والإمكانات”.

قدرتي على” قول لا” و قدرتي على أن” أقول نعم ” بإرادتي دون ضغط أو اجـبـار” “التّفريق بين الواجبات والحقوق” و “العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟! قال:تحجره أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصـره ” أخرجه البخاري في صحيحه.

لقد شاع في المطارحات السياسية أن النظام الحالي وضع نفسه في مواجهة مع رجال الأعمال يعتقد البعض أنها قد تودي به في النهاية لكن ليس من ريب أن معركة ليّ الأذرع تلك المنتصر فيها من أخلص الّنـية، و حاز على دعم غالبية الشعب الموريتاني الذي عانى ولا يزال بالرغم من حيـرته وهو يرى كبار رجال الأعمال يساقون إلى” حبل مشنقة دفع الضّرائب”، وممّا سيزيده فخرا وتيها خصوصا بعد ما تأخذ العدالة مجراها الطبيعي دون محاباة ، تيقنه بأن أمواله أصبحت مصانة وأن عهد التّهـرب من دفع الضّرائب ولى وإلى غير رجعة ،” لنتيقّن أن عملية المحاسبة سواء المعارض فيها والموالي”.

نحن مع الدّولة المؤسّساتـيّـة التي يتعايش فيها الجميع تحت خيمة الدّيمقراطية والمساواة والمحاسبة والحكم الرّشيــد، دون أيّ تفرقــة أو أيّ محاولة للاستئثار بالسّلطة وإقصاء الآخـر، ولذلك نحذّر من الوقوع في مصيدة الفتنة التيّ تحاول جهات داخليّـة و خارجيـّة إيـقـاع موريتانيا وشعبها فيـــها.

بقلم:

المـهــنــدس:الحـضرمي ولد محمد ولد انـــداه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى