من أجل تبديد أوهام “رئيس سابق”../ محفوظ ولد الحنفي

alt

ليس أصعب من الاحتفاظ بمكسب غير مستحق؛ سوى محاولة استرجاعه بعد ضياعه الناتج عن العجز وعدم تقدير قيمة ذلك المكسب والافتقار إلى شروط حيازته والاحتفاظ به..

لو أدرك العقيد اعل ولد محمد فال ذلك؛ فلربما كان الآن شخصا غير الذي نعرفه، ولما كان واقعا ضحية الوهم والأحلام المستحيلة.!!

لقد خدم ولد محمد فال نظام الرئيس السابق ولد الطايع قرابة ربع قرن من الزمن مديرا لأمنه ؛ فظل طيلة تلك الفترة المتطاولة أسير وهم خاطئ بأن النظام الذي جنده فخدمه هو نظام وجد ليبقى إلى الأبد؛ لذلك لم يتردد مرة واحدة قط في التنكيل بخصوم النظام ومعارضيه، وفبركة التهم بحقهم، واعتقالهم، والتضييق عليهم.. تماما كما لم يتوقف يوما واحدا عن العمل على مضاعفة ثرواته الشخصية النابتة من “غلول” أمانة لم يكن قط أمينا في رعايتها، فملك الضيعات؛ والمخابز والعمارات، والأسواق وكثير المساحات.. وتحول إلى أحد أثرى أثرياء العالم في سنوات قليلات.!! ولما أفاق ذات صباح على نخبة من ضباط جيشنا وقد حزمت أمرها وقررت وضع حد للنظام الذي رباه وأرضعه لبان أقوات فقراء هذا البلد وحقوقهم الضائعة؛ انتصب الوهم أمام عينيه وحدث نفسه بأن هؤلاء الضباط إنما تحركوا لينالوا حظهم من الغنيمة؛ فانتصب أمامه وهم جديد موسوسا له بأنه أصبح “زعيم موريتانيا وحاكمها بلا منازع”.. فلما اكتشف متأخرا، أن لتحرك الضباط أهدافا أبعد مما توهم؛ وأول تلك الأهداف هو تحرير إرادة هذا الشعب، وإقامة حياة ديموقراطية جدية، انتصبت السذاجة العاتية أمام عمى بصيرته فأغرته بتلك الحيلة البئيسة؛ فدعا الناس للتصويت بالورقة البيضاء؛ آملا أن يطيل ذلك فترة بقائه في الحكم!!. ولما انكشف له وهن الحيلة؛ واضطر لخروج القصر ؛ قرر أن “يكتفي من الغنيمة بالإياب ” بعد أن تولى أمر البلاد رئيس لا يخشى منه الكلام حول الثروات المنهوبة، ولا عن طلع الفساد المستشري الذي كان “صاحبنا” من أكبر زراعه. لكن نخبة الضباط ما لبثت أن عادت إلى المشهد رافضة أن يتحول مشروعها إلى مجرد تغيير شكلي؛ بدل أن يكون ثورة ضد الفساد والمفسدين، وانتصارا للفقراء والمضطهدين؛ عندها لاذ العقيد بركن قصي، وتملكه صمت مريب، واختفى عن المشهد كله حتى حسبنا الأرض ابتلعته فجأة.. ظل الرجل مفقودا لا تسمع له ذكرا، ولا ترى له رسما؛ إلى أن وقع “اتفاق دكار”؛ فانتصب فجأة من تحت أنقاض صمته المراوغ، وقد عادت إليه أوهامه تحدثه بأن حلفاءه الغربيين قد حسموا الأمر لصالحه؛ ولم يعد مطلوبا منه سوى أن يطوع نفسه للتنازل عن شيء يسير من ثروته المنهوبة ويلغي بها أمام أعين شعب ظن أن تفقيره كفيل بأن يجعله أبدا في متناول إرادة الميسورين؛ ففعل وترشح.. فلما أخرجت صناديق الاقتراع أثقالها وكشفت له كم كان واهما في نظرة الاستخفاف والازدراء إلى هذا الشعب العظيم، عاد مسرعا إلى جحر الصمت وكهف الخمول؛ وقد استبد به خوف شديد مما هو آت.. في صمته وخبائه ؛ كان صاحبنا يتحين الفرص ويستعجلها؛ فما كاد يسمع ب”الربيع العربي” و”ثورة الشباب”، حتى أخذ في شد حبال جسمه ولبس لبوس الشباب الثائر؛ متقدما صوب “منسقية المعارضة “، رافعا معها شعار “الرحيل “.!!!! لكنه ما لبث أن فهم مع حلفائه الجدد عبثية ذلك المسعى؛ فسارعوا بإخلاء الشارع، الذي عجزوا عن ملأ قليل من ساحته!!!!. ويبدأ العقيد فصل شتاء ممل في انتظار فرصة أفضل؛ وسرعان ما تأتيه حادثة إصابة رئيس الجمهورية؛ وبدل أن يتحرك الحس الإنساني داخله؛ وفطرة التعاطف مع أولي الأرحام ومواساتهم، إذا بشيطانه يسبقه إلى عقله وفؤاده مبشرا بأن هذه هي الفرصة التي لا يمكن أن تضيع؛ فيعود هو ورفاقه للشارع مطالبين برحيل نظام “أصبح رئيسه في حالة عجز كامل”، كما أملوا وتوهموا!! لكن؛ “ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب”؛ بل تقطعت السبل مرة أخرى بصاحبنا، وعاد له الإرباك والصمت المريب.. يقال “إن الغريق يتعلق بقشة”، ولقد بدا العقيد المسكون بحب السلطة والمال أشبه بالغريق الذي يتعلق بكل شيء؛ حتى الأوهام؛ فلما لم يجد خيطا يتعلق به بعد كل تلك الأوهام المضللة؛ جعل من مشكل ضريبي عمومي حبلا يعلق عليه آماله المحبطة؛ فطالعنا بذلك البيان الغريب المضحك المبكي حول ما يعرف “بقضية ولد بعماتو” التي لم نسمع بشأنها عن بيان ولا تصريح ولا كلمة واحدة من المعني نفسه!!. وكأني بالعقيد قد صدق نفسه بعد أن حدثته حديث شجن قائلة له: “لا عليك إن هذا الشعب مازال كما تعتقد صالحا للبيع والشراء؛ ولكن مشكلتك أيها العقيد العظيم أنك لا تجرؤ كثيرا على الإنفاق خشية إملاق؛ فالتحق بابن عمك الثري وتضامن معه؛ وسيتولى عنك هو شراء الذمم فتتخلصون من هذا الرجل الصعب العنيد..” ويحق لصاحبنا أن يرد على نفسه: “شكرا لك يا نفسي الناصحة الأبية، لأفعلن ما أمرت به، إني أحب السلطة والمال؛ ولن أقبل الموت قبل أن أعود رئيسا.. وبأي ثمن ما لم يكن من “حر” مالي”.. أطال الله بقاءنا وبقاءك.. سيدي الرئيس.. وهدانا وهداك، وكشف عنك غطاءك  لترى، في قابل أيامك القريبة ،أن ذاك الذي تحسبه ماء هو مجرد أوهام مغموسة في بحر من سراب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى