الرمز في قصيدة”النسر” لعمر أبو ريشة

مني لمديهش/ للرياض:

الرمز:

هو في اللغة: الإشارة والإيماء (1)، و هو في الاصطلاح الأدبي: “علامةٌ تُعتبر ممثِّلة لشيء آخر ودالَّة عليه، فتُمثِّله وتحلّ محلّه”(2)، يستعمله الأديب خروجاً من المباشرة إلى عوالم فنية يوظف فيها حدثا تاريخيا أو أسطورة أو شخصية تراثية أو أي كائن من كائنات الوجود، ليحمل تجربته الشعورية. وهو يستلزم مستويين: مستوى الأشياء الحسيَّة التي تؤخذ قالباً للرمز، ومستوى الحالات المعنوية المرموز إليها(3).

ويُعد الرمز أسلوباً من أساليب التصوير، أو وسيلة إيحائية من وسائله، فكلاهما – الرمز والصورة- قائم على التشبيه، وعلاقتهما أقرب إلى علاقة الجزء بالكل(4). وهو تقنية عالية، يرتفع بها شأن الصورة، وليست كل صورة رمزاً، لكن كل رمز هو بالضرورة صورة. ومثلما تنقسم الصورة إلى صورة كلية و جزئية، فالرمز كذلك، منه رمز كليّ ورمز جزئي، وأشد التحامات الرمز بالصورة هو في النوع (الكلي)؛ إذ غالباً الصورة الكلية تستحيل رمزاً.

ب-القناع:

هو في اللغة ما يستعمل لتغطية الوجه، أو الرأس أو كليهما معا(5). وهو في الاصطلاح الأدبي: تقنية مستعارة من الأداء الدرامي، تقوم على استعارة شخصية يتّحد بها الشاعر لتكون ناطقةً بلسانه، ومعبرة عن حالهِ، وحاملة لمواقفه. والشاعر يضفي على هذه الشخصية من ملامحه، ويستعير من ملامحها، لينتج من ذلك (القناع) الذي هو ليس الشخصية، ولا الشاعر، إنما هو الشاعر والشخصية معاً. ويختلف النقاد في ماهية الشخصية التي تُتخذ قناعاً، فبعضهم يُضيّقها لتكون الشخصيات الإنسانية ذات البعد التاريخي فقط، وبعضهم يوسعها لتشمل أي شخصية، من كائنات حية أو جمادات، تماما كما يُطلق على اصطلاح الشخصيات في العمل القصصي، ولكنهم يتفقون على البعد المحسوس لهذا القناع، فلا يمكن أن يكون من معانٍ مجردة (6).

والقناع أحد أشكال الرمز، التي تشترط التحاماً بالمبدع، فالأديب، يرمز في شعره إلى الذات وإلى الموضوع؛ فقد يقصد بالرمز ذاتهَ، و قد يقصد الموجودات والأحداث والكائنات حوله، أما القناع فهو وسيلة فنية للتعبير عن الذات فقط، ومثلما هو المعنى الحسي للقناع الذي يتستر خلفه الوجه الحقيقي للإنسان، فكذلك القناع الأدبي؛ صورة ظاهرية تتخفّى تحتها ذات الشاعر .

النص:

نِسءر ..

عمر أبو ريشة 1938م

أصبح السفحُ ملعباً للنسورِ

فاغضبي يا ذُرا الجبال وثوري

إن للجرح صيحةً فابعثيها

في سماع الدنى فحيحَ سعيرِ

و اطرحي الكبرياء شلواً مدمّى

تحت أقدام دهرك السكيرِ!!!

لملمي يا ذُرا الجبال بقايا النسرِ

و ارمي بها صدورَ العصورِ

إنّه لم يعد يكحِّل جفن النجم

تيهاً بريشه المنثورِ

هجرَ الوكرَ ذاهلاً و على عينيهِ

شيءٌ من الوداع الأخيرِ

تاركاً خلفه مواكبَ سُحبٍ

تتهاوى من أفقها المسحورِ

كم أكبَّت عليه وهي تُندّي

فوقه قبلةَ الضحى المخمورِ

هبطَ السفحَ.. طاوياً من جناحيه

على كلِّ مطمحٍ مقبورِ

فتبارت عصائب الطيرِ ما بين

شرودٍ من الأذى ونَفورِ

لا تطيري جوّابةَ السفحِ

فالنسر إذا ماخبرتِه لم تطيري

نسلَ الوهنُ مخلبيهِ وأدمَت

منكبيهِ عواصفُ المقدورِ

والوقارُ الذي يشيعُ عليه

فضلة الإرثِ من سحيقِ الدهورِ!!

وقف النسرُ جائعاً يتلوّى

فوقَ شلوٍ على الرمالِ نثيرِ

و عجافُ البغاثِ تدفعه

بالمخلبِ الغضِّ و الجناحِ القصيرِ

فسَرت فيه رعشة من جنون

الكبرِ و اهتزَّ هزَّة المقرورِ

لملمي يا ذُرا الجبال بقايا النسرِ

و ارمي بها صدورَ العصورِ

إنّه لم يعد يكحِّل جفن النجم

تيهاً بريشه المنثورِ

هجرَ الوكرَ ذاهلاً و على عينيهِ

شيءٌ من الوداع الأخيرِ

تاركاً خلفه مواكبَ سُحبٍ

تتهاوى من أفقها المسحورِ

كم أكبَّت عليه وهي تُندّي

فوقه قبلةَ الضحى المخمورِ

هبطَ السفحَ.. طاوياً من جناحيه

على كلِّ مطمحٍ مقبورِ

فتبارت عصائب الطيرِ ما بين

شرودٍ من الأذى ونَفورِ

لا تطيري جوّابةَ السفحِ

فالنسر إذا ماخبرتِه لم تطيري

نسلَ الوهنُ مخلبيهِ وأدمَت

منكبيهِ عواصفُ المقدورِ

والوقارُ الذي يشيعُ عليه

فضلة الإرثِ من سحيقِ الدهورِ!!

وقف النسرُ جائعاً يتلوّى

فوقَ شلوٍ على الرمالِ نثيرِ

و عجافُ البغاثِ تدفعه

بالمخلبِ الغضِّ و الجناحِ القصيرِ

فسَرت فيه رعشة من جنون

الكبرِ و اهتزَّ هزَّة المقرورِ

ومضى ساحباً على الأفقِ الأغبرِ

أنقاضَ هيكلٍ منخورِ

وإذا ما أتى الغياهبَ و اجتاز

مدى الظنِّ من ضمير الأثيرِ

جلجلت منه زعقة نشّت الآفاقُ

حرّى من وهجها المستطيرِ

وهوى جثّةً على الذروة الشمّاء

في حضن وكره المهجورِ !

. . .

أيها النسرُ هل أعود كما عدتَ..

أم السفحُ قد أمات شعوري

التحليل:

نسرٌ أُقصي عن ذراه ليعيش ذلَّ السفوح، ويصاحب الأعشاب بعد أن سامرَ الأنجم، ويظلّ في السفح ينتقل من انحدار إلى انحدار حتى فقد قوّة الانطلاق، وما عاد يظفر بصيد، يجرُّه الجوع إلى أشلاء من بقايا طعام أسياد البيد، فيقف جائعاً “فوقَ شلوٍ على الرمالِ نثيرِ”، بالرغم من عويل جرح الكرامة.

وكان للسفح سكّانهُ من صغارِ الطير، التي اعتادت تلك الأشياء، فلا ترضى منافساً عليها، حتى وإن كان نسراً عظيماً كانت -قبلُ- تأكل من بقاياه!، فحاربته طيورٌ كانت -يوماً- تذعرُ إن وقعَ عليها ظلّه، و بأسلحةٍ هي أشدّ ضعفاً وكلالاً: “مخلب غضّ، وجناح قصير”، وما أقسى سجالُ غير الأنداد!

نهض النسرُ داميَ الكرامة، مجروحَ العنفوان، قد نكّس الذلُّ هامته، يطوي جناحَه على كبرياءِ الجرح، يُطلقُ بصره في السماء كي يُخفي إطراقة التألّم، قد امتزج فيه الألمُ بالكبرياء، فعصفَ بالكيان، و بدا الظاهرُ مهيباً والأعماقُ هياكلَ ناخرة.

وحلّق النّسر طويلاً، حتى غاب في الظلمة، كما تغيب الظنونُ في الضمائر، وتوغّلَ في الأثير حتى أزال شكّ الأجواء في قدرتهِ على التحليق. وفوقَ سحبٍ تعلو وكرَهُ، انطلقت منهُ صرخةٌ أعلنت ختامَ المشهد، وأهدته نهايةً كنهايات النخيل؛ تلك التي تموتُ واقفةً! “هوى جثةً على الذروة الشمّاء .. في حضن وكرهِ المهجور”، كان الثمنُ غالياً، لكنّ لذة الظفرِ أغلى..

ويطلُ الشاعر من بين السجُف ليُحيّي النّسر على حياة الشعور؛ فقد منحته خلوداً وإن مات جسده…

ثم يصمتُ الشاعر، لكنَّ قصيدتَه تظلُّ تلفحنا بأنفاسٍ ملحميةٍ لا يحتملها (النسرُ) مجرداً، ليدعنا بعد ذلك ندلف لهذه الصورة بغيةَ سبر بواطنها و استقراء تجلياتها.

النسر/ رمزاً:

” الشعر عند أبي ريشة لوحات لا أبيات”(7) هكذا يصف أحمد الجندي منحى أبي ريشة الشعريّ، و النصّ الذي بين يدينا مثالٌ حيّ لهذه العبارة، فقد رسم أبو ريشة صورة مشهدية للنسر، تتبّع فيه بنَفسٍ درامي” حياتَه أو بعضاً من حياتِه. ساعده على رسم تلك الصورة الضاجّة بالحركة عدد من الجمل الفعلية، التي تفيد التجدد والتغيّر والانتقال من حالٍ إلى حال “هجر الوكر، هبط السفح، وقف النسر، مضى ساحباً…”، قدّ بثّ في ثناياها جملاً اسمية قليلة، ترسم للقارئ إطاراتٍ ثابته تمكّنه من تتابع لهاث الحركة التي تبثّها القصيدة/ اللوحة – على حدّ تعبير د. الجندي- “أصبح السفح ملعباً، إن للجرح صيحة، تاركاً خلفه مراكب سحب، الوقارُ الذي يشيعُ عليه…” ولعلنا نلحظ تركُّز مواطن الجملة الاسمية في بدايات القصيدة، مما يؤكد البعد المشهدي (إطاراً وحركة) الذي أراده الشاعر.

لقد كان مرمى الشاعر الرئيس رسمَ صورةٍ كلّية للنسر، وقد صنع ذلك على مدار عشرين بيتاً، يقف القارئ إذا وقف الشاعر لدى آخرها، على تشكيل صوريّ متكامل لهذا النسر الذي تتبّعه الشاعر بعين ثاقبة.

داخل هذه الصورة الكلية، رصف الشاعر عدة صور جزئية، تعين على اكتمال المشهد على النحو (الشعوري تحديداً) الذي يريد الشاعر بثّه في النفوس:

” نشّت الآفاق حرّى من من وهجها المستطيرِ” لماذا (نشّت) تحديداً؟ لماذا يستعير الشاعر صورة غليان القدر، ليهبها الآفاقَ التي حوَت تلك الصرخة؟ إنه الاحتشاد الصاخب الذي يريد عمر أبو ريشة بثّه في نفوس المتلقين، المُتخيَّل وقوفهم صفّا صفاً أمام هذا المشهد الحي!

الأمر نفسه يمكن أن نقوله عن “فحيح سعير” بهذا التركيب الاستعاري؛ فالفحيح للأفعى، وقد استعاره للنار التي هي في الأصل لها اللفح لا الفحيح، وهما معاً، صوت الأفعى والسعير منذورَين تشبيهياً لصيحةِ الجرح… مهلاً، فحتى الجرح اُستعيرت له (الصيحة) التي هي للإنسان أصلاً، من يقدر على حشد كل هذه التراكيب الاستعارية في بيتٍ واحد، ثمّ لا يصير البيت كلاًّ ولا القائلُ مُثقِلا ؟ إنه الشعر (العملاق) حين يقوله شاعرٌ بقامةِ عمرأبي ريشة!

أوكأ عمرُ قصيدته على قافية منتقاة، تعطيه مدىً رحباً لتحقيق الجلجلة، والمدى الممتد الذي يريده لصوته/صوت الحاكي: الراء المكسورة “ثوري ي ي.. سعيرِ رِ رِ… عصورِ رِ…”، ألا يشعر القارئ أنه يقف -برغمه أو بإرادته سيّان- بعد كل بيت، ليُصيخ لشيء يشبه رجع الصدى، من الراء المكسورة؟ تلك الوقفة لم تجئ عبثاً، لقد رسم لها الشاعر باقتدار، ولهذا -ربما- جعل الفصل سيد الموقف في أبياته، فلا بيت يرتبط بالآخر بحرف عطف عدا بيتين أو ثلاثة في خضمّ قصيدة من واحد وعشرين بيتاً!

وبعدُ ..؟ أيّ شأنٍ لهذا النسر حتى يحشدَ لهُ الشاعرُ كلَّ هذا القِوام الشعري؟ منذ متى و الشاعر مغن” ساذج للطبيعة أو متفرجٌ عليها؟

عُرف عمر أبو ريشة شاعراً للمجد وللأمّة، عُرف شاعرَ “أمتي هل لك من بين الأمم “، كذلك عُرف النسر بأنه (شعار) جليّ لعدد من الدول العربية!، ولهذين معاً نستطيع أن نتخذ مفتاحاً لتأويل الرمز في هذا النص من حال الأمة العربية في هذا العصر، فالنسر – في أحد تأويلاته- رمزُ الحق الجريح في أمة كانت زمناً ملء أسماع الدُّنا ثم عادت شِيَعا وفِرَقا حتى وهنَ العظمُ منها، واشتعل قلبُ بنيها ألما!

النسر هنا شِكاةُ شاعر، موجوعِ الفؤاد تجاه أمّتهِ، يدعوها للمجد، يقول لها: إنه ليس بينها وبين العودة للقمة سوى “مدّ الجناح”، وأن النتيجة تستحق المحاولة، وتستحق التضحية، وتستحق الموت فداءا …!

النسر/ قناعاً:

يقول الدارسون: إن عمر أبي ريشة كان مشهوراً ب “الختام المبهر، البيت المفاجأة”(8)، وفي رأيي أن البيت الأخير الذي وقّع به الشاعر قصيدَته هذه، لم يزد شيئاً عدا أنه أفسد القصيدة! ذلك أن صلة النص بتجربة الشاعر الشعورية أجلى من أن يَدلّ عليها بهذا البيت الخطابي الزاعق، حتى وإن أضفى عليه نكهةً بجملته الرائقة “أم السفح قد أمات شعوري” ف (أمات شعوري) تركيب دلالي خاص، لا يمكن إطلاقا أن يؤديه أي تركيب آخر، ك (مات شعوري) مثلا، ولا يمكن أبدا أن تؤديه الكلمتان (أمات) و(شعوري) منفصلتين!، ما بالبيت عيبٌ في بنائه بل العيب في موضعه، وفي ظهور الشاعر سافِراً فيه، ولكم تمنّيتُ أن لو ألقمَها فمَ النسرِ بدلاً من فمه هو !

امتزاجُ النسرِ بالشاعر جليّ جلاءَ كوكبٍ درّي، فالنسر طائر من الجوارح حاد البصر وقوي، و هو أكبر الجوارح حجماً، و تلك صفاتٌ تتقاطع مع سيماء عمر أبي ريشة الشهيرة، طولَ قامة، وشدة عنفوان، و قوة شخصية.

أيضا: ثمة تجسيد معنوي، أو التصاق بدواخل هذا النسر، إذ لم يكن التصوير خارجياً فقط، كان رسماً من الداخل والخارج معاً، بل كانت العناية بمعطيات الخارج هي فقط في ماكان انعكاساً لما في الأعماق. وهذا يوحي بالتحامٍ بين هذا النسر والشاعر.

وأيضاً: دأبَ الدارسون على استخلاص معجم شعري للشاعر، وإني إذا رأيتُ ثمَّ رأيت في ما استخلصه الدارسون من معجم أبي ريشه (9)، وجدتُ غالبه متوفراً في هذه القصيدة!، ومنه (نسر، قمة، كبرياء، الأشمّ/ الشماء، المجد، السحب، الآفاق، الشهب، الذرا)، ومعجم الشاعر هو ألصق المفردات به، وحين تكثر مفردات معجمه وتحتشد في نص واحد، فإني أرى أن ذلك مؤشر قوي على قرب ذلك النص من نفسه، وغِناه بتجربته الشعورية.

كل هذه دوالٌّ على أن الشاعرَ قد تقنّع بالنسر، وأنه عبّر (به) من حيث ظهرَ وكأنه يعبّر (عنه)… أنه اتخذ من هذا الكائن (النسر) في حالته تلك، شخصيةً قناعية، يحمّلها رؤاه وموقفه و تجربته في حال معينة.

تعطينا بعض السياقات التاريخية، التي رافقت القصيدة ما يقوّي هذا التأويل؛ إذ يُروى أن الشاعرَ نظم قصيدته إثرَ مشكلةٍ وظيفية مرت به، وذلك أنه كان مديراً بدار الكتب في حلب، وأزيح من منصبه ليتسنّمه من هو أدنى منه(10)، كذلك حدث أن الشاعر حين ألقى قصيدته هذه أثناء تكريمه في إثنينية محمد عبدالمقصود خوجه، ذكرَ أنه نظمها إثر مشاهدته نسراً في قريته على خلاف العادة، وكان يعيش مع عجاف الطير، ثم يقول: “وصادف أن أخرجتني حكومتي إلى الخارج كسفير، وقضيت أربع سنوات خارج سوريا سفيراً لكن لا يجوز لي ان أعود إلى سوريا!” (11)، ويبدو هذا الموقف أقوى ليكون باعثاً للقصيدة، ومع أن الموقف جاء مرويّاً بلسان الشاعر وفي شبه تصريح بباعث القصيدة، إلا أني حين تتبعت تاريخ حياته العملي، وجدته بدأ أول منصب وزاري في عام 1950م، في حين أن القصيدة نُظمت عام 1938م، كذلك: بالنظر لتاريخ ميلاده الذي تتراوح الروايات فيه حول عام 1990م يكون عمره حين نظم القصيدة ثمانية وعشرون عاما، وهذا عمرٌ أبكر مما يمكن أن يكون لسفير!، لذا يمكن القول أن الشاعر استحضرها حين مُني بذلك الموقف حين كان سفيرا، ورأى أنها خير معبر عما يمر به، وإن كان نظمها في موقفٍ دونه، لكن الشعر مع شرخ الشباب أقوى، لذا رأى أنه لو أراد أن يقول في ذلك الموقف قولاً فسيأتي دون هذه القصيدة حتى وإن كان باعثها أشد و أنكى.

ومهما يكن من مناسبة النص، فإنه يكفينا منه دلالته التعزيزية على الرؤية التي قدّمنا؛ إذ استخدم الشاعر تقنية القناع الفنية ليخفي تجربته الذاتية خلف إطار موضوعي، يكفل له حرية التعبير، وفسحة التصوير… لاسيما وأن الموقف كان بائساً مستدراً للألم، وعمر أبوريشة رجلٌ ذو شكيمة ما عُهِد شاكياً ولا متباكيا في شعره(12)، فقد استطاع عبر هذه التقنية، أن يبكي دون أن يلومه أحد، أو تنكره النفسُ العصيّة التي بين جنبيه..!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى