البيان

جلس الثلاثة حول طاولة مستديرة. تبادلوا التحية باقتضاب. خلف كل واحد من الزعماء جلس معاونوه، ثلاثة لا أكثر؛ نائب الرئيس، الأمين العام، والمستشار الخاص.

بدأ التفاوض حول صياغة البيان. بعد البسملة احتد الخلاف حول الآية التي يصدَّر بها البيان.

اقترح أحمد قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).

 

اعترض جميل: هذه دعاية للتكتل!

ـ بل هي دعوة إلى تماسك المنسقية وتضامنها.

التفت جميل إلى محمد..

ـ ماذا تقترح؟

ـ (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا).

انفجر جميل..

ـ يا أخي أنت خير من يعلم أن الكدحة انتهت منذ اتفقتم مع ماري13!

 رد محمد، بلهجة المعتذر..

ـ لم يحضرني من القرآن سواها…

قال أحمد، متهكما، ماذا تقترح أنت؟

اعتدل جميل في جلسته، ثم قال..

ـ الاستشهاد بالقرآن ينبغي أن يكون مناسبا للحدث، وينقل رسالة قوية إلى الطرف الآخر. لذلك أقترح قوله تعالى في سورة… الآية… (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). بهذه الآية نشعر خصومنا بقوتنا واستعدادنا.

علق محمد، بابتسامة ماكرة..

ـ استعدادنا لماذا؟

تجاهل جميل السؤال، واستعد لمواصلة شرحه، لكن أحمد أوقفه بإشارة من يده.

ـ الآية التي اخترت لا تناسب ما نحن بصدده، فهي تتحدث عن أعداء الله، وأعداء المسلمين، ونحن بصدد نقاش سياسي لا عداوة فيه.

رفع محمد صوته..

ـ شكرا على تنبيهنا إلى هذا المعنى، فالإخوة يجدون في القرآن دائما ما يريدون.

أراد جميل تجاوز الإشكال

ـ ماذا تقترحون؟

رد مستشار أحمد، بروح الدعابة..

ـ لماذا توغلون في القرآن، و(إنا أعطيناك) قريبة منكم!

انتفض جميل..

ـ فكرة رائعة..(إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر)، ما رأيكم؟

قال محمد، وهو يتحسس بقايا لحيته..

ـ مبدئيا لا اعتراض عندي على القرآن، لكن ما معنى: شانئك؟

تطوع جميل بالإجابة..

ـ من الشنآن، الحدة في الخصومة؛ شين الطبع، وشين الشرك…

كان محمد سيسأل عن (الأبتر)، لكنه استحى، فهز رأسه علامة الرضى…

قال أحمد..

ـ ما دمنا اتفقنا على الآية…

قاطعه جميل..

ـ على السورة، إنا أعطيناك.. سورة كاملة. ضحك ضحكة خفيفة، فامتقع وجه أحمد إلا أنه كتم غيظه، واستأنف كلامه..

ـ لننظر إذن في مضمون البيان…

قال جميل…

ـ لا بد أن نركز على الثوابت، وأن نظهر القوة، والتماسك، في لغة جزلة، وسبك محكم يعبر عن تطلعات جماهيرنا إلى انتخابات حرة نزيهة وشفافة…

 قال محمد، متهكما..

ـ ارفق بنا سيادة الرئيس، فقد شغلتنا الكدحة عن المحاظر…

قال أحمد، وهو يحاول إخفاء ابتسامة خفيفه..

ـ أعذره! فقد دخلها على كبر… ثم أردف سريعا..

ـ ينبغي أن يكون البيان واضحا في نيتنا مقاطعة الانتخابات إذا لم تتوفر الشروط التي أعلنا عنها من قبل. ينبغي أن يكون موقفنا واضحا للرأي العام، حتى نستطيع حشده ضد الانتخابات في الوقت المناسب.

    وجه جميل كلامه إلى أحمد، بلغة المنظّر..

ـ تعلمون سيادة الرئيس أن الوضوح في السياسة ليس مستحبا. لنكتف بالإشارات، والتنبيهات، حتى إذا تأكدنا من استحالة تنظيم الانتخابات وفقا لشروطنا انتقلنا إلى الوضوح والشروح…

 ليقطع الطريق على أحمد، وجه كلامه إلى محمد…

ـ ما رأيك؟

ـ إن كنت فهمت ما قصدته، يمكن أن نلوح بمقاطعة الانتخابات، وننتظر رد فعل الطرف الآخر.

قال أحمد، وهو يحاول كتم غيظه…

ـ منذ سنة ونحن نلوح… لقد حان وقت التصريح.. هل ستشاركون في انتخابات تعلمون أنها لن تكون شفافة ولا نزيهة؟

خيم صمت بدا طويلا.. تنحنح نائب أحمد…

ـ الرئيس لا يريد إحراجكم. يريد فقط أن يعرف حقيقة المواقف ليتعاطى معها.

انتفض نائب جميل..

ـ نحن لا نكذب، ولا نراوغ، مواقفنا راسخة وواضحة، لا تأخذنا في الحق لومة لائم…

قاطعه مستشار محمد…

ـ وأنا أقسم على ذلك…

قال جميل، متصنعا الدعابة..

ـ في كتابكم القاني من السعة ما ليس في كتابنا…

مال محمد إلى مستشاره، وهمس ” ما معنى القاني؟” أخرج المستشار هاتفه. بعث رسالة قصيرة لمستشار أحمد. وضع الهاتف أمام محمد فقرأ.. (مواطن من دولة قانا).

قال محمد بنبرة هادئة..

ـ ليس المهم وضوح المواقف، بل المهم الالتزام بها. نحن نتفق الآن بشكل واضح على صياغة البيان، وقد قطعنا فيها شوطا مهما، بالاتفاق على الآية…

صاح به جميل…

ـ السورة…

تابع محمد، كأنه لم يسمع شيئا…

ـ وهذا في حد ذاته يعد مكسبا مهما. لنعد إلى قواعدنا، من أجل مزيد من التشاور، ونبقى على اتصال لتنسيق المواقف…

قاطعه أحمد..

ـ دعونا من المراوغات… هل ستشاركون في الانتخابات؟

قال جميل..

ـ نحن سنشارك في الانتخابات، إذا توفرت الشروط.

قال محمد…

ـ نحن لن نشارك في الانتخابات إذا لم تتوفر الشروط.

نظر جميل في عيني أحمد، وسأله…

ـ وأنتم، هل ستشاركون في الانتخابات؟

رد نائب أحمد…

ـ قواعدنا الشعبية، هي التي ستقرر ذلك.

فكر جميل… ” المصيبة أن قواعدهم هي قواعدنا…”

 

طه محمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى