عن مدينة اللوگة

كتب محمد سالم ولد اجد:

الزمان أنفو – في صيف عام 1977 غادرتها بعد ثلاثة شهور قضيتها فيها، حين اصطحبني عمي التاجر بها آنذاك لعلاج شُقاق (تفلاح) في قدميَّ، وعدت بربح إضافي هو الولفية التي حذقتها بسهولة قبل أن أتقن الإعراب، وحللت بها مشكلات قضائية وإعلامية لغيري في بلادي، وفي بعض الفترات كنت أنسى معرفتي بها لطول عهدي بها، وحين عبرت النهر صدر عام 2015 للعلاج وجدتها حاضرة في ذهني لم تتسنه، وفتحت لي أبواب التواصل مع مختلف الفئات السنغالية؛ ومن المفارقات أني أمضيت أياما في المستشفى مستلقيا على قفاي أُوَضَّأُ هكذا وهكذا أصلي إثر عملية في العمود الفقري، ومع هذا كنت أسيّر أموري بلساني وأترجم عن مرافقيّ وإليهم عند الاقتضاء.

 

في أيامي باللوگه كانت تنزوي بخفر، تاركة مسافة بينها وبين الطريق الرابط بين كبار المدن، وكان بها نشاط كبير للقطارات، أما الآن فتوقف نشاط القطارات بها وتمددت غربا في تبرج عمراني لا تخطئه العين حتى الطريق المذكور.

 

لم تكن اللوگه التي عهدتها أكثر من مقاطعة في إحدى ولايات السنغال (انچاريم) ولم تصبح ولاية إلا بعد ما تولى رئاسة السنغال ابنها عبدُه چُوفْ (الذي جعل منه الكُتّاب العرب عبدا للضيوف!) وكان الموريتانيون يحتلون الرتبة الثانية من سكانها بعد السنغاليين، واللبنانيون في الرتبة الثالثة.

 

ولم يكن الزائر يخشى التيه، فالشارع موريتاني؛ إذ الغالب أن يكون في كل منزل متجر على الأقل، وفي كل متجر تقريبا موريتاني على الأقل، ويجري هذا في جميع مدن السنغال وقتذاك.

 

كان اللبنانيون تجار أقمشة ومشروبات، وكان الموريتانيون تجار تجزئة، ومنهم تجار جملة، ومنهم حمالون وشواؤون وغير ذلك.

 

ويحتفظ أغلبهم بهويته الموريتانية وإن كان منهم من تخلى عنها فصار سنغاليا ولا يرضى ببديل لجنسيته الجديدة.

 

كانت الشوارع معبدة في الغالب، ومع ذلكم لم أر سيارة أجرة في طول تلك المدينة وعرضها، وإنما كانت عربات البغال (وتيرات) تجوبها بأجرة قليلة وكان ضيق مساحتها النِّسْبي عونا على السير لمن أراده.

 

ولا أتذكر هذه المدينة إلا تذكرت صوت وقع حوافر البغال على الإسفلت وتأرجح مصابيح البترول المضاءة ليلا في مؤخرات عرباتها، وقد استغربتُ الأصوات المنبعثة من الحوافر إلى أن رأيت جارنا النجار ينعل بغلا ففهمت السبب.

 

كان علاجي في مستوصف تنصيري تديره وتعمل فيه راهبات يسميهن الموريتانيون “سورْيات” رغم أنهن أوربيات (فرنسيات أساسا) ولا أدري من أين جاء الاسم، كما لا أظن الموريتانيين يعلمون الخلفية التنصيرية لهذا النشاط الإنساني؛ بل ولعلهم لو علموا أن أولئك الحمائم البيض راهبات يعملن من أجل هدف محدد لكان لهم من مستوصفهن موقف آخر.

 

كان محيط اللوگه بمثابة مزرعة كبيرة للفول السوداني (گرته) الموجه إلى مصانع أقامها الفرنسيون بالسنغال لإنتاج زيت الطبخ وتسويق الثفل علفا للمواشي (ركَّل الصفي).

 

وفي أحد الأيام كنت وعمي في الطريق إلى الحقنة اليومية بالمستوصف السابق ذكره فرأيت ما حسبته روابي رملية تركتها في موطني، تعالجها جرافة دون كلل فسألت عمي متى قدمت تلك الرُّبَى هناك، فضحك ضحكا دعاني لإعادة النظر فإذا بها تلال من الفول السوداني غير المقشر!

 

لم يسمح لي بحرية التجول بمفردي في اللوگه بحكم صغر سني، وإنما كنت أجول مع أحد الأقارب، وربما غافلت الرقيب فخرجت بمفردي فوجد أطفال المدينة فرصة للهجوم على “نار بوخيص” (البيضاني الأبيض) وكنت ألوذ بالفرار نظرا لانفرادي، وسعيا إلى تجنب أي أثر يبقى في جسدي قد ينم علي فيضيق حصاري؛ لذا كثرت مطارداتي كالقط الأبيض بين منطقة السوق بقلب المدينة والحي المسمى دومة النسر (گوي تن /  gui tenne) في طرفها الجنوبي الشرقي؛ تارة أنجو، وتارة يدركني الطلب، وقد يشبعني الأطفال ضربا، وقد يتوسط الضرب، وقد أغافلهم، وقد يسامحونني.

 

بعد ذلك انتبهت إلى أن قصد الأطفال في الغالب إنما هو التفرج علي، وأن فراري هو الذي يستفزهم، وتأكد لي ذلك حين سمعت قول أحدهم متعجبا: “في البيضان أطفال!” ولعل السبب أن أكثر الذين يأتون هناك بالغون جاؤوا للعمل وإن كانت توجد أسر لها أطفال، لكنها محدودة.

 

في إحدى الليالي كنت مع جيران لنا موريتانيين حين بث بلاغ باسم أختي تطلب من عمي إرسال فلان “إلى الأهل بسرعة لأن الوالدة هددتها بالمسير إليه إذا هو لم يأت” فجريت إلى العم وأخبرته الخبر فلم يبد لي أنه غيّر شيئا من برنامجه المرسوم، فشعرت بحزن وحنين هاجتهما خيبة الأمل.

 

بعد أسبوع أو أسبوعين إذا بالأخت ذاتها تدخل علينا في منتصف يوم قائظ! علمت أن الفرج جاء، ولم يخب ظني هذه المرة؛ فقد بعث عمي من يمهد لسفرنا الليلة التالية ووجدت في انشغاله بإكرامها فرصة للقيام بآخر جولة لي بتلك المدينة التي لم أدخلها بعد ذلك حتى الآن.

 

حين تأهبت للنوم كومت ثيابي وصررتها في منديل كبير عقدته في فتيل مصباح بترولي (ميش لنبه) أرتدي به سراويلي وتوسدتها لضمان اصطحابها عند النهوض عجلا في جوف الليل، وكان الأمر كذلك.

 

ففي الهزيع الأخير من الليل استيقظنا على مزمار السيارة التي حُجِز لنا مقعدان فيها فهببت مسرعا غير منتبه لتوديع أحد فكادت صرة ثيابي توقعني، ولكني انتبهت لها فحللت عقدتها وحملتها معي.. وهذا ما أردته.

 

كان من الركاب من لم يكتف من النوم فواصله في السيارة التي ادَّرَعت الليل وانطلقت تنهب الأرض فعبرت اندر قبل الفجر وأوصلتنا العدوة القصوى عند إشراق الشمس فكنا طليعة العابرين إلى العدوة الدنيا في زورق تبين أنه مثقوب فكادت تكون القاضية ولكن الله سلّم، فله الحمد على جميع نعمه.

اللوگة بين الحاضر والذكرى/محمدسالم اجد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى