بعد دعوته إلى تشكيل “جندالله” صحفي يرد على “إيرا”

altكنت على سفر وفي أجواء تعزية لم تسمح لي بالإطلاع الكامل على بيان سابق لإيرا نشر يوم 17 يناير2014، قرأته اليوم على موقع “الطوارئ”، ورغم أنني قد رددت في الوقت المناسب بشكل موجز، إلا أنني عندما قرأت البيان كاملا لاحظت أن “إيرا” استفادت من الدروس نسبيا فأصبحت أكثر صراحة في إحترام مبادئ الإسلام، خصوصا بعد محرقة بعض الكتب الإسلامية في مقاطعة الرياض، في وقت سابق.

 

رغم أن بيرام مازال يصر على الافتخار بحرق تلك الكتب الإسلامية، ويعتبر ذلك إنجازا ومكسبا في سياق التنديد بالاستعباد ومحاولة وقفه النهائي.

وأما ذكر اسمي والدعوة لتوقيفي والتحامل في سياق البيان المذكور، الصادر يوم 17 من الشهر الجاري من قبل “إيرا” فهو أقل ضريبة قول الحق-حسب ما أعتقد وأرى- ولا أستغربه من إيرا ورئيسها.

ولكن في الأمر نكتة، ينبغي أن لا تغيب عن الملاحظ الأرب، فهذه حركة تدعي أنها حقوقية ومع ذلك تدعو إلى توقيف صحفي، وتصفه بأبشع الأوصاف في بيان رسمي باسمها الصريح.

فأين هذا من حقوق الإنسان وتقدير حرية التعبير؟.

أم أن الانتماء إلى “إعلام البيظان” حسب إطلاقات بيرام، أو إلى إحدى “لخيام لكبرات” حسب إطلاق بيان “إيرا” المثير، يكفي للتحامل والأذى العميق والدعوة إلى سجن المعني.

إن الاستعباد شنيع ومرفوض شرعا وذوقا، ونتفق في أولوية محاربته بالأساليب الإيجابية، لكن دون حرق للكتب الإسلامية، مهما كانت جدلية بعض الآراء الفقهية المتناولة داخل صفحات بعض هذه الكتب، التي تمثل جزءا طبيعيا من التراث الإسلامي المتنوع.

ويمكن الخوض إعلاميا وقانونيا في مختلف الأساليب المناسبة للتغلب على ما بقي من آثار العبودية الكريهة، لكن أقول –مجددا- هذا لا يعني الذهاب في منحى آخر من استهداف سكينة المجتمع ولحمته المهددة بدعوى مكافحة العبودية ومظاهر التعدد العرقي والطبقي، التي لا يجوز توظيفها سلبا لتفريق الموريتانيين المسلمين المسالمين وزجهم في أتون المجهول المعلوم.

فالبحث عن الشهرة والمال والنفوذ الاجتماعي أو السياسي أو غيره قد يغرق، كما يحصل مع البعض –تدريجيا- في مسارات قد لا تحمد عقباها.

إن الدفاع عن ولد امخيطير، أو غيره من المستهزئين بحرمات الدين الإسلامي ومبادئه، لا يصب في رضوان الله والتمسك بعروة الإسلام الوثقى ومحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول صلى الله عليه وسلم: “تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك”.

فالدين مقدس، والتلاعب به ورموزه وحياضه أمر لا يخفى.

ولا مجال للتودد للكفار من فريق “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم”، للظهور بصفة “حقوقي” مدافع عن الضلال والزيف فحسب..

اتق الله يا بيرام ومكتب “إيرا” فلا مجاملة في الحق.

ولتدافعوا ما شئتم عن ما تعثرون عليه من بقايا مؤكدة للاستعباد المقيت، ولتكتفوا بالإبلاغ دون سوى ذلك من المزايدة، فتلك مهام الدولة والقضاء، ومهما كانت شوائب الجهاز القضائي، فهو الأولى بالحسم وصاحبه المأذون، وغير ذلك طريق للفوضى والتلاعب الواسع، الذي جلب حتى الآن الكثير من المخاطر والتهديد للوحدة الوطنية والتماسك وهيبة ما بقي من مفهوم الدولة.

ولتسافروا للحصول على جوائزكم المريبة، لأنكم تلعبون دورا حقوقيا، وآخر أنتم أعلم بتفاصيله، ولكن ليكن في علمكم أنكم لستم أذكى من أحد.

فنحن نوقن بأن هزكم لمجتمعنا المسلم، رغم نواقصه وعيوبه المتوقعة في كل حالة بشرية، يرضى الصهاينة وأحلافهم النصارى وغيرهم من جبهة الكفار، خصوصا بعد قطع العلاقة مع الكيان الصهيوني، وتصاعد أجواء الصحوة الإسلامية عندنا، رغم أجواء الاستبداد والتردي السياسي والتسييري.

دوركم مهم، إن سلمتم من توظيف أعدائنا له، وهذا لن يقع، وكذلك إن سلم من التدخل في مسؤولية الدولة والقضاء، وسب شريحة مهمة من المجتمع بحجة الاستعباد، قديما وحديثا.

ودعوة رفض العبودية والعمل معا على استئصال ما بقي منها أو بقي من آثارها، في غاية الأهمية والإيجابية، ولكن باختصار ليس على طريقتكم، المفعمة بالتحامل والكراهية والاستهداف.

إنني لا أدعو إلى سجن أحد ظلما وعدوانا-والسجن أعلم من بيرام بمتاعبه وضرره البالغ بالإنسان عموما- ولكن بيرام إذا أصر على الإشادة بمحرقة الكتب الإسلامية، ينبغي أن يساءل وينظر في أمره على ضوء الشرع الإسلامي، ولتغضبوا أو ترضوا، فهو عندي سواء.

فالمبتغي رضوان الله وحماية المجتمع من الانقسام غير المستبعد -خصوصا مع التصدع الراهن واللهجة الحالية عند البعض- والدفاع عن حرمات الدين الإسلامي وتراثه الفكري والتأليفي، وكل ما يمت بصلة لحضارتنا الإسلامية الناصعة الرفيعة.

وكنت أود أن لا تكون “إيرا” طيعة في يد “بيرام” المؤسس، فتقومه، إرجاعا إلى الحق، فالحق أحق أن يتبع، وتنصحه عن ما ذهب إليه من حرق الكتب والتصعيد ضد بعض شرائح المجتمع، ولكن إيرا وقعت في شرك تكريس الفرقة والتمسك بأسلوب التحامل والأذى، خصوصا ضد الصحفيين، والتعريض بالعلماء وبعض فتاويهم.

اللهم أهد قومنا إلى سبيل الرشاد والهدى. ولتعلموا معشر المشرفين على حركة “إيرا”، مهما قل أو كثر عددكم، أن وحدة المجتمع الموريتاني، قضاء وقدر بإذن الله، مثل تجانس بياض العين وسوادها، وعقلاء العرب السمر والزنوج وبقية المجتمع قادرون على مواجهة دعوات المستغلين والراكبين للموج، والمتعجلين لنضج المجتمع، المتجنين على الدين أو على بعض الناس دون غيرهم، بحجة كذا أو كذا.

ولن ننجر -بإذن الله- بسهولة، للخصومة العقيمة، أو الجدل الأجوف.

ولنقل اختصارا، رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.

ولنردد قوله تعالى في سورة الفرقان: “وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” صدق الله العظيم.

إن موريتانيا بنيت أصلا وتاريخا على التسامح والدهاء، وأهل موريتانيا يعرفون كيف يواجهون بحكمة وأناة، تحديات الاستفزاز والتفريق والتجني على الدين أو المجتمع، والله خير حفظا.

ومن المثير أن يحرص بيرام وجماعته على الدفاع عن ولد امخيطير، بحجة تأويل مقصده وتبرير غضب الناس بدعوى احتقار شريعة بعينها.

إن توقير شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم خير المرسلين وخاتمهم، أمر لا ينبغي التهاون في شأنه، أو فتح ثغرة في هذا الباب الديني المحصن في عقول ذوي الإيمان السليم الصحيح، وسيبقى تدخل الجهات الغربية في هذا المجال تحت عنوان: “الحرية الدينية وغيرها من فصول الحقوق والحريات”.

أمر لا يتطابق مع معطياتنا الفقهية الراجحة، المحتاطة لأمر الردة وإبعاد شبحه عن الأمة، ردعا وعقابا ووقاية. وإن شاء بيرام أو ولد اشدو أن يدخلوا في صف المدافعين عن المستهزئين بالدين الإسلامي ورسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم، فلاشك أنهم سيدفعون الثمن، دنيويا وأخرويا بإذن الله.

ويأتي هذا تعضيدا للحملة الغربية، الحامية لهذا التوجه الخطير.

وتبرير الإساءة للدين ورسوله صلى الله عليه وسلم دون وجه حق.

وفي أمر “إيرا”، كمنظمة حقوقية افتراضا، من باب حسن النية ورجاء التعقل، قد تكون الفرصة مازالت سانحة لمراجعة المسار، والتبرئ من المحرقة المخزية للكتب الإسلامية، والحرص في المقابل على توجه حقوقي، حكيم متوازن، لا يقبل العبودية -محل النقاش الرئيسي عندهم- ولا يزيغ إلى مسارات التحامل والكراهية والدفاع عن المتجني على الحرمات المقدسة دينيا، بإجماع علماء الأمة “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين” وفقا للحديث الشريف.

وأما الإصرار على علاج عنصرية بعنصرية، وتحريك المجتمع نحو الاحتكاك اللفظي أو الفعلي، السلبي بامتياز، والتوسع في التودد لشعار الحريات الفج، تقربا أو طلبا لشهرة ضارة عقيمة، فهذا توجه قد يظل باستمرار محل تجاذب شديد، مهما أدر من قبول عند البعض، داخليا أو خارجيا، وقد يكون من الضروري أيضا، التنبيه مجددا إلى مستوى التعاطي العنيف مع السلطة الرابعة –إن لم تكن أهم من ذلك-ونعني طبعا الصحافة، فقد باتت محل استهداف وتحامل مستمر من قبل بيرام ومنظمته المثيرة “إيرا”.

فمتى نميز بين طلب الشهرة و”التحويلات المصرفية” والنضال الحقوقي الرفيع، البعيد عن تكريس أهداف الصهيونية وعدائية بعض المنظمات الغربية ضد مجتمعنا العربي الإفريقي المسلم المسالم.

وإن أصرت “إيرا” وزعيمها على أسلوب التصعيد والعدوانية، فكل ذلك مصبه إلى فتنة تقترب رويدا رويدا، لا قدر الله، ولا أظن عقلاء المنظمة الحقوقية المذكورة، وجل أتباعها يغفلون عن خطر ذلك علينا جميعا وعلى مجتمعنا.

اللهم إني أنكر محرقة الكتب الإسلامية، التي أقدم عليها عبدك بيرام ولد اعبيدي، اللهم إني أكره العبودية والتعبيد والاستبعاد، من بعض البشر ضد بعضه الآخر، ولا احتسب إنكار هذا الفعل الاستعبادي إلا خيرا للمجتمع، لكن بالأسلوب الملائم المدروس، وفي المكان والزمان المناسبين.

وأما حرمة شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا جدال فيها، ومن شاء فضيحة وضعف دين، أن يدافع عن المقدم ذلك، فله نصيبه الوفير عندي من الشك في مساره وخلفياته الفكرية وأهدافه المشبوهة.

وأقول بإيجاز واختصار، إن إقدام ولد امخيطير على ما كتب، وإقدام بيرام على محاولة التقليل من خطر هذا الفعل بأي دعوى طبقية أو غيرها، واستعداد ولد إشدو للدفاع عن المسيء، كل هذا مؤشرات عهد جديد، لابد من مواجهته بصرامة وحزم، فلا وجه للحرية باختصار في هذا الباب، ولنعلي من كعب التربية الإسلامية داخل البيوت، وبوجه خاص للناشئة.

ولندرك خطورة الهجمة الحالية على رسولنا صلى الله عليه وسلم وديننا الحنيف، ولنعد للأمر عدته من الإعلام والتربية والمواجهة والحزم، فهذا الخلط السيئ لا يخلو من تهاون في شأن الدين وقيم الأمة ومنظومتها العقدية والسلوكية المهددة باستمرار، تحت ضغط العولمة وتقارب الأمم والزحام الحضاري المتصاعد، بفعل تسهيلات التداول الإعلامي العالمي المتلاطم.

والحمد لله رغم خطورة الخرجة السيئة لولد امخيطير الملعون، فقد أثبتت الأيام قوة التيار الشعبي المسلم ضد المستهزئين.

ولا مجال للغلو أو تنفيذ أحكام ضد المستهزئين دون الرجوع للقضاء، فهذا توجه ربما أخطر من الفعل ذاته، ولكن الرفض يبقى في حدوده المسؤولة الملتزمة، وعلى الدولة أن تتحمل مسؤولياتها المفرط فيها أصلا، سواء على الصعيد التربوي أو الإعلامي أو القضائي أو غيره.

 

بقلم: عبد الفتاح ولد اعبيدن المدير الناشر ورئيس تحرير صحيفة “الأقصى”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى