الإراث اللاإنساني في موريتانيا …./ عبد الله ولد محمدُّ

الزمان أنفو _ لقد عهد الي في المحور الثاني في هذا اليوم العلمي الذي ينظمه مشكورا، المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية عما يدعى الإرث الإنساني، عنوان المحور ماذا جرى ولماذا؟
لو خيرت لكنت فضلت المشاركة في أحد المحورين الأول أو الثالث لقربهما من بعض اهتماماتي.. وبالنظر إلى ما تتطلبه الإجابة على هذين السؤالين (ماذا جرى ولماذا؟) من تتبع دقيق للوقائع وتحر للحقائق وتدوين أمين للأحداث وتصنيف تاريخي صارم يقتضي وجود مصادر مستقلة مجردة من العواطف الانفعالية ومن الجور السياسي، فإني لا ألتزم بالإجابة عليهما بالشكل الذي تتوقعونه، معولا في ذلك على كثرة ما نشر عن الموضوع وعلى تسامحكم وسعة اطلاعكم وقدرتكم أنتم والإخوة المحاضرين والحاضرين، على استكمال ما قد يبدو نقصا في هذا النص.
في هذه المداخلة سأطرح أسئلة إضافية وأقدم قدرا يسيرا من البيان بخصوص السياق العام للأحداث وخاصة من حيث نشأة قوات التحرير الإفريقية في موريتانيا “أفلام” المحرك الرئيسي للملف والحركات الوطنية والقومية العربية ومن حيث أيضا ما أسميه النمطية الانتقائية لفرز ومعالجة المظالم وهي مظالم أقسمها إلى نوعين: المظالم التاريخية الناجمة عن العبودية والاسترقاق والسيطرة الأجنبية والمظالم السياسية التي جرت في عهد الاستقلال.. وربما أتطرق لآفاق ومقاربات تساهم في إنهاء الملف..
ضبط المفاهيم:
بادئ ذي بدء وخوفا من الالتباس، يتوجب توضيح مفاهيم معينة وتحديد أخرى.. أولا لماذا نقول الإرث الإنساني، أليس الأولى أن نسميه الإرث اللاإنساني، بل أليس من الأدق أن نسميه الإراث اللاإنساني (بصيغة الجمع) بالنظر لتعدد المظالم وتنوعها واختلاف أزمنتها وكثرة ضحاياها.. ثم ماذا نعني بهذا المفهوم.. هل نقصد حادثة بعينها دون غيرها.. وأية مساحة زمنية يغطيها…؟
وبما أن الإرث يعني في الأصل بقايا الشيء ويطلق على ما يتم تناقله من عادات وقيم وآثار، وبالتالي له تداعياته الماضوية ولا يكمل معناه إلا بقدر من التقادم والعتاقة، فالأوفق أن تتصدره، أقدم مظلمة عرفتها البلاد، أعني جريمة العبودية والاسترقاق البشعة النكراء.. ثم بعد ذلك، يمكن الحديث عن كل المظالم التي اقترفت في عهد الدولة الوطنية فذلك أضمن لتهدئة وتسكين النفوس وتحقيق العدل والإنصاف لكل الضحايا وذويهم دون اعتماد معايير اللون والشريحة والطائفة وجهارة الصوت والضغوط المشبوهة، محلية كانت أم أجنبية.
لقد تعرض كل الضحايا لظلم المجتمع والدولة وبعض المنظمات المتطرفة، لا عبرة في ذلك باتساع أو ضيق أو شناعة المظلومية، فمن قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن شارك بالسوء والفساد في إشعال الفتنة فالفتنة أشد من القتل.
سؤال جوهري:
تساؤل آخر يفرض نفسه، هل ما يسمى بالإرث الإنساني، هو بالفعل ملف إنساني خالص أم أن البعد السياسي قد طغى عليه فحوله إلى أزمة دائمة أو صراع وجودي يحظى برعاية أجنبية قوية؟ ما علاقة ملف إنساني بالمطالبة بانفصال أجزاء من البلاد وبتغيير اللغة الوطنية وبالطرح العنصري اللوني بل وحتى بالتحزب والبرامج السياسية والولاءات الخارجية؟

– أولا: السياق الزمني
موريتانيا بلاد لها إراث إنساني بالفعل، أعني هنا إراثها الحضاري الغني والمتنوع فقد تعاقبت عليها منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ثقافات وحضارات متنوعة، كان أعظمها وأبلغها أثرا، الحضارة العربية الإسلامية في القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي، غير أن فرنسا احتلتها في القرن العشرين وذلك قبل نيلها الاستقلال سنة 1960 كما هو معروف.
ذلك الاستقلال كان خديجا، لم يكن كاملا لأنه لم يشمل الأبعاد الثقافية والاقتصادية واقتصر على المجال السياسي ومع ذلك كان مصدرا لانزعاج الكثيرين بسبب ازدواجية أو ثلاثية الهويات المتنافسة على الكيان الوليد ففرنسا كانت تريد موريتانيا افرانكفونية سابحة في فلكها، والمغرب يريدها امتدادا لحوزته الترابية، والسنغال تريدها دولة زنجية إفريقية فقط أي سنغالا آخر.. وكانت الغلبة وقت التأسيس للسنغال حيث احتل السنغاليون المتجنسون وغير المتجنسين، معظم الوظائف في مختلف الأسلاك الإدارية الناشئة مما مكن –في نفس الوقت- من ترسيخ هدف فرنسا الرئيسي: تحكم اللغة الفرنسية مع قدر لا يستهان به من التبعية الاقتصادية.
في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي “حدود 1954” لاحت في الأفق بوادر حركات سياسية مطالبة بالانضمام للمغرب أو للاتحاد السوداني في وجه مساعي الاستقلال لكن حركات لونية انفصالية، كانت قد سبقتها إلى ساحة المطالبة ووجدت آذانا صاغية في الإقليم أكثر مما وجدتها في الداخل.
يقول إبراهيم ولي مسؤول الإعلام لأفلام في فيديو له على قناة AMANI TV من دكار شهر نوفمبر الماضي، إن حركة أفلام تأسست رسميا سنة 1983 وبعد مرور أربعين سنة على ميلادها، ما تزال وفية للمنهج والأهداف التي انطلقت من أجلها لتحرير موريتانيا التي وصفها بأنها دولة مصطنعة أو ملفقة من أراض اقتطعت عنوة من شمال والو وفوتا وكيدي ماغا وجزء من أرض مالي يعني الحوضين اللذين ألحقا بها سنة 1944.
إبراهيم ولي هذا يبين أن أفلام هي خلاصة اتحاد أربع حركات تأسست سنة 1946، أي سنتين بعد انضمام الحوضين، لمحاربة هيمنة البيظان وهذه الحركات هي:
– الاتحاد الديمقراطي الموريتاني؛
– منظمة الدفاع عن مصالح السود الأفارقة الموريتانيين؛
– الحركة الشعبية للأفارقة الموريتانيين؛
– حركة التلاميذ والطلاب السود.
من خلال هذا التصريح والمعلومات الأخرى الموثوقة، يظهر أن التجييش اللوني والتحريض وإيغار الأنفس، قد بدأ في وقت مبكر، بل إنه واكب بعض الحملات الاستعمارية ضد الإسلام ولغته العربية وضد التعايش السلمي في هذا البلد، فالاستعمار الفرنسي لم يكن يستهدف الأرض وحدها، بل سعى إلى تدمير حضارة وقيم المجتمع، ونسف القواسم المشتركة بين مكوناته ولذلك سارع بعد قدومه، إلى إحراق المكتبات والمساجد والمحاضر وقتل العلماء والأئمة من جميع المكونات بيضا وسودا.. واعترف بذلك الفرنسيون أنفسهم في شهاداتهم المكتوبة التي رفعت عنها السرية وفي مذكرات منظريهم وقادتهم العسكريين.
لقد زرع المستعمر بذور الفتنة وتعاهد معاونوه وخاصة من الإداريين المستوردين، بإتمام المهمة فطفقوا يحبكون المؤامرات ويمرون الدسائس لترسيخ اللغة الفرنسية ولرعاية نشوء الحركات المشبوهة والعبث بالجغرافيا والديموغرافيا.
في الأربعينات، لم يكن الوعي الوطني والقومي لدى الطرف الآخر أي العرب les Beidanes كما يسمونهم، قد اتضح.. لا توجد حركات بيضانية (عربية) ولا حركات ناصرية أو بعثية أو دينية.. ولن توجد إلا في فترة السبعينات، بينما كانت أفكار حركة الزنوجة la Negritude اللونية قد ظهرت في باريس في فترة ما بين الحربين وأصدرت صحيفتها: الطالب الأسود التي أسسها السنغالي اليوبولد سيدار سنكور والغوياني ليون كونتراه داماس والمرتينيكي أمي سيزير.. كان حديث أولئك المؤسسين يتركز على أسطورة الأسود العظيم والبطل الأسود والثورة الإفريقية وما إلى ذلك، وتلقف الشباب الإفريقي، أطروحات الزنوجة التي حصلت على زخم لا يستهان به من المد القومي الثوري لدى القادة الأفارقة الأوائل مثل لومون با باتريس وأحمد شيخو توري وكوامين كروماه، لكن هذه الأطروحات ما لبثت أن تحولت في بعض نسخها إلى نوع من كراهية الآخر الأبيض أي إلى شكل من الشوفينية البديلة المقابلة للشوفينية أوالفاشية الأوروبية بالنظر إلى كونهما في الأصل، نظريتان أو أطروحتان قامتا على أساس العرق ولون البشرة.

يدعون في برامجهم، السعي لتحقيق الوحدة العربية والوحدة الإفريقية والوحدة الإسلامية وهم عاجزون عن توحيد صفوفهم أو توحيد شعبهم بل وعن توحيد أحزابهم ومنظماتهم حتى في أحلك الظروف التي واجهوا فيها المعاناة بسبب ظلم المجتمع أو ظلم الدولة، كما يحسب عليهم الفشل في زرع الأمل عند المواطنين بل وإبقائهم يجترون أخطاء الماضي ويتداعون للانتقام والثأر بدل التركيز على ما يأمن الحاضر ويبني المستقبل من قبيل تجويد الحكامة ومحاربة الفساد وتحقيق العدل والانصاف وإصلاح المنظومات التعليمية والبناء الاقتصادي والمحافظة على المكتسبات الدستورية.
ومن أجل مواجهة هذا الوضع، فإني أدعو هذا المركز والمشاركين وأهيب بعقلاء البلد وبمؤتمر الحوار المرتقب وبالمفكرين والسياسيين والمتكلمين والصامتين، للدعوة إلى:
1. وقف الحملات المسعورة التي يشنها الموريتانيون بعضهم على بعض والسفسطة القائمة على المغالطات والتضليل والتلاعب بالألفاظ والتنابز بالألقاب وهذا الجدل البيزنطي والنقاشات العقيمة التي لا تنطق إلا بالكراهية والفرقة ولا تحقق إلا ما عجز المحتلون عن تحقيقه من تمزيق للبنية الاجتماعية.
2. الاعتراف لجميع الضحايا من كل المكونات بما وقع عليهم وبحقهم في التكريم والتعويض وتبكيت وتشنيع الجرائم التي تعرضوا لها والندم عليها والحيلولة دون تكرارها، فالاعتراف يهذم الاقتراف؛
3. المصالحة في كل قضايا الإراث اللاإنساني، التاريخية والسياسية بإتباع أسلوب العدالة الانتقالية وليست الانتقامية والتعامل مع الملف بشمولية لا تستثني أيا من الضحايا؛
4. التأكيد على أن مسؤولية المظالم تقع حصرا، على من اقترفوها حتى لا تزر وازرة وزر أخرى.. لا شأن فيها للمكونات الاجتماعية ولا للتيارات الفكرية وينبغي تفادي إغراق الجرائم المرتبطة بها، في بحر من الاتهامات غير المؤسسة، تميع الملف وتصعب مواجهتها.
5. تفكيك السرديات الإجرامية والشرائحية والإثنية وبناء سردية وطنية ترمم العلاقات الاجتماعية وتحرر الضمير المكبل بالشك وبموت الأمل؛
6. إعلان أسبوع للحداد على ضحايا العبودية والاستعمار والاستبداد والظلم وكل أشكال الإجرام السياسي يشارك فيها الجميع ويطلق فيها العنان للمبادرات المبتكرة في هذا المجال، أخذا للأمر على أعتاقنا حتى لا يبقى سيفا على أعناقنا؛
7. اعتماد تمييز إيجابي في المشاريع الاقتصادية والاجتماعية خاصة البنية التعليمية والصحية، لصالح مناطق الهشاشة وتخصيص نسبة معتبرة من ميزانية الدولة لمحاربة الفقر وتوفير الحياة الكريمة للمواطن.
8. إنشاء منصة رقمية وطنية لمراقبة تنفيذ ملفات الإراث اللاإنساني ورقابة تنفيذ مشاريع التنمية وملاحقة الفساد بشكل يومي دقيق.
9. الحل الحقيقي لا يتأتى إلا بإرادة سياسية صادقة وحازمة لبناء دولة المواطنة والعدل والقانون وتفعيل الدستور لا تعديله.

– خامسا: خاتمة:
– إن معالجة الإراث اللاإنساني تتطلب نهجا علميا جادا يتجاوز الانتقام والصراعات الإثنية.
– يمكن تحويل الإراث اللاإنساني إلى فرصة للإصلاح وبناء الثقة بين مكونات المجتمع من خلال الاعتراف بجميع المظالم التاريخية والسياسية ومكافحة الفساد، وإرساء العدل وتجاوز آلام الماضي وتأسيس دولة ديمقراطية قوية مستقرة ومتصالحة مع نفسها، تحمي حقوق جميع مواطنيها وتعزز وحدتها وتتناغم مع محيطها.

13/01/2026

اضغط لقراءة المقال من المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى