القوميون العرب والبولار وجهاً لوجه على مائدة الحوار/ الدكتور محمد ولد الراظي

الزمان أنفو _ في بلادنا تيار قومي عربي، وفيها أيضاً تيار قومي بولاري؛ الأول له جناحان: ناصري وبعثي، والثاني له أربعة أجنحة تناغم نشاطها لعقود، ثم لما تبينت لها الحاجة إلى توحيد إطارها المؤسسي والعملياتي، انصهرت في حركة مسلحة تُدعى “قوات تحرير أفارقة موريتانيا”، المعروفة اختصاراً بـ”أفلام”.
نشأ التيار العروبي بعد الاستقلال بسنين، بينما نشأ التيار البولاري قبله بثلاثة عشر عاماً، وتحديداً عام 1947.
يؤمن التيار العروبي بالدولة الوطنية، ولا يقبل عنها بديلاً، ورغم كل ما ناله من ظلم وبطش وتعسف وحرمان من أنظمة الحكم جميعها، لم يحمل منه فرد سلاحاً في وجه الوطن ولا في وجه حاكم.
أما التيار البولاري، فلا ينكر أن الدولة الوطنية التي يقبل بها لم تولد بعد، وهذا ما يفسر أن طبعته “الفلامية” أعلنت عن نفسها إبان نظام حكم كان على توادد كبير معه، بل لا مغالاة في القول إنه كان يداً موثوقة من أيادي حكمه، وذراعاً طويلة ومأمونة من أذرع أمنه.
تعرض التيار العروبي لبطش شديد من جميع الأنظمة، من دون استثناء، لكنه لم يُحمِّل قبيلة أحد ولا جهته ولا قوميته مسؤولية ما لحق به من أذى، بل يُرجع المسؤولية كاملة إلى نمط حكم استثنائي، طبعته المميزة أن يتغول الحاكم ويفتك بمن يعترض سبيله من معارضيه.
كما تعرض التيار القومي البولاري لبطش شديد هو الآخر، ولكن على يد نظام حكم واحد، وسلم من جميع الأنظمة الأخرى، وبدلاً من أن يسجل ما تعرض له ضمن دائرة سياسية صرفة، جعل منه أزمة وطنية وقومية، فحمل السلاح ضد الدولة ومؤسساتها وضد الجميع.
التيار العروبي لا يجد من عرب اليسار سنداً، بل في غالب الأحوال يكونون عليه أشد من غيرهم، بينما يجد التيار البولاري سنداً قوياً في أوساط بولار اليسار، الذين ينشطون بقفازات ناعمة لكنها تصل لما لا يقدر عليه الآخرون، ويجد أيضاً سنداً قوياً من الإسلام السياسي في القضايا الخلافية مع العروبيين، قناعةً منه أو نكايةً بهؤلاء.
التياران سيلتقيان في حوار يبدو قريباً؛ التيار البولاري منظم ومعه من يسنده، والتيار العروبي مفكك، وتتعاوره سهام من جهات عدة، بعضها بقفاز من حرير وبعضها معلن صريح. وسيكون على التيارين عرض النقاط الخلافية بينهما ونقاشها.
فما هي القضايا الخلافية بينهما؟
ستدفع حركة “فلام” بعريضة الأحزاب الأربعة عشر مطالب قديمة تتجدد، وأهمها مسألة المظالم ومسألة الهوية.
أما المظالم، فلا خلاف على جبرها؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة، والله حرّم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرماً، ونهاهم أن يتظالموا. والجميع مجمع على أن على الدولة أن تنصف كل مظلوم، وأن تجبر خاطر ذوي كل من قُتل ظلماً. فالدولة تحمي ولا تظلم.
والفرق بين العروبيين وحركة “فلام” ومن والاها أن العروبيين يقولون بالنظر إلى المظالم ككل، بينما يرغب الآخرون في أن يكون العنوان حصراً بأحداث التسعينيات.
النظر الكلي للمظالم يضمن أن لا تخرج عن الدائرة السياسية، أما حصرها في أحداث بعينها فيعني دخولها في دائرة خصومات مجتمعية، بما يجعلها عابرة للأجيال، وتتحول إلى مظلمة تاريخية.
يرى العروبيون أن هذه المظالم ينبغي أن تُجبر مع المعنيين أنفسهم أو ذويهم، وألا تصبح عنواناً سياسياً بيد هذا أو ذاك، وألا تقتصر على حقبة دون أخرى. فمن لحقه أذى كبير يكون جبر خاطره على قدر ما لحق به، ومن كان دون ذلك يكون الجبر على قدر ما تعرض له من ظلم. فتكون القضية قضية الجميع، والطرف الآخر فيها واحد هو الدولة، والدولة فقط.
أما القوميون البولار، فيرغبون في أن تُسجل مآسي التسعينيات عاراً في حق مجتمع بعينه، وأن يكون هذا العار عابراً للأجيال، ليصبح مادة سياسية حاضراً ومستقبلاً. وربما يكون الجبر أيضاً عابراً للأجيال، وهو ما تجلى من خلال المطالبة بنصب تذكاري للضحايا، وباعتماد تلك الأحداث ضمن المناهج التعليمية.
أما النقطة الخلافية الأخرى بين القوميين العرب والقوميين البولار، فهي موضوع الهوية وترسيم البولارية تحت عنوان اللغات الوطنية.
يرى العروبيون أن ترسيم اللغات غير العربية أمر نشاز، وأن المطالبة بأمر نشاز لا يمكن أن تكون طبيعية، كما أن الموافقة عليه ليست أمراً عادياً. ويتساءلون: ما الذي جعل موريتانيا وحدها من بين دول غرب أفريقيا تواجه مشكلة ثقافية؟ هل لأن المكون البولاري أكثر ثقلاً ديمغرافياً فيها من دول المنطقة؟ أم لأن اللغة العربية لا ينطق بها إلا أغلبية نسبية ضئيلة لا يحق للغتها أن تكون عنوان هوية جامعة؟ أم أن المشكل الثقافي في موريتانيا له علاقة بتصفية الاستعمار؟ أم أن السبب الحقيقي ليس هذا ولا ذاك، بل لأن الترسيم شرط لتحقيق غايات أخرى أهم بكثير؟
يوجد البولار في الجوار القريب: السنغال ومالي، كما يوجدون في بوركينا فاسو وغينيا وساحل العاج وعموم غرب أفريقيا حتى جنوب خليج غينيا، لكن أقل تجمع لهم في القارة يوجد في موريتانيا وغامبيا. فلماذا وحدها موريتانيا من يُطلب منها ترسيم البولارية؟
ينص الدستور الموريتاني في مادته السادسة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية، كما ينص على أن اللغات الأخرى “لغات وطنية”. ولا تختلف موريتانيا عن الدول الأخرى إلا في أمر واحد، وهو أنها استبدلت لغة المستعمر وأحلت محلها لغة القرآن.
في السنغال، توجد لغة رسمية واحدة هي الفرنسية، وغيرها مصنف “لغات وطنية”. وفي غامبيا، اللغة الرسمية الوحيدة هي الإنجليزية، وغيرها “لغات محلية”، ولا يشكو أحد ظلماً.
وفي جمهورية مالي، اللغة الرسمية الوحيدة هي الفرنسية، وغيرها “لغات وطنية”. وفي ساحل العاج، اللغة الرسمية الوحيدة هي الفرنسية، وغيرها “لغات محلية”. وفي بوركينا فاسو، اللغة الرسمية الوحيدة هي الفرنسية، وغيرها “لغات وطنية”. وفي غينيا، حيث يقارب البولار نصف السكان، تظل الفرنسية هي اللغة الرسمية، وغيرها “لغات وطنية”، والجميع يقبل بذلك.
فلماذا هذا الاستثناء الموريتاني؟
يقول العروبيون إن يد المستعمر واضحة؛ فأية دولة جعلت من لغة المستعمر لغتها الرسمية نالت منه ومن أذرعه المحلية حصانة من الوقوع في مشكلة ثقافية، وكل من سولت له نفسه أن ينتقص من لغة المستعمر ودورها الناظم يجد نفسه في عين إعصار استعماري لا يرحم، وعليه أن يدفع الثمن.
كما يخشون أن يكون المقصود هو تمييع الهوية الوطنية، ثم المطالبة، بعد ترسيم اللغات، بأن تكون لغات البلد كلها في الدرجة نفسها، فلا يحق لإحداها ما لا يحق لغيرها، فتغدو الفيدرالية واقعاً دستورياً منتظراً، وقد يفضي ذلك إلى الانفصال، أو—إن تعذر بحكم استحالة التمايز الجغرافي والبشري—إلى العودة للغة الفرنسية كلغة توافقية، مصحوبة بلفتة فرنسية نشطة و”كريمة”، ووعد بإنهاء الإشكال الثقافي في البلاد.
يُنتظر من القوميين البولار أن يجيبوا عن هذه الأسئلة، كما يُنتظر ممن يرى رأيهم أن يساعد الآخرين في فهم المقصد من هذا الطرح، وأن يجيب عن سؤال جوهري: ما الذي يجعل موريتانيا حقل تجارب لسابقة ونازلة لم تقل بها دولة جارة، بل لم تقل بها دولة في العالم أجمع؟



