الخميس الأول… في شهر الغبار والأكاذيب

أبو محمد

الزمان انفو ( داكار):
المذكرة الصغيرة – مشهد من الذاكرة
للمرة الثانية نصبح في فندق “الشام” بقرية تگنت.
وشتّان ما بين الاسم والمكان؛ لكن، كما يقول الناس، كل أرض عند أهلها شام.
إنه أول خميس من شهرٍ يبدو أنه امتلأ بالغبار… وبالأكاذيب كذلك.
خلال الأشهر الأولى من هذا العام تضاعفت الأخبار الثقيلة: اعتداءات الصهاينة والأمريكيين تتواصل على إيران ولبنان، وفلسطين ما تزال تحتفي بيوم الأرض رغم كل شيء، كأنها تقول للعالم إن الذاكرة أقوى من الاحتلال.
هذا الصباح يتحدث دونالد ترامب إلى أمته بفخر وغبطة، وبوقاحة لا تخفى، متباهياً باغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني خلال مأموريته الأولى، وبضرب قادة الصف الأول في النظام الإيراني، معتبراً أنهم أعادوا إيران عشرات السنين إلى الوراء، وأنها لو لم تُضرب لامتلكت السلاح النووي.
ويمضي في تبجحه عبر البث المباشر على قناة الجزيرة، مؤكداً أن أمريكا لن تتأثر كثيراً بإغلاق مضيق هرمز، وأن ارتفاع أسعار المحروقات لديها سيكون محدوداً وظرفياً. ومع ذلك يعلن استعداد بلاده لمساعدة الدول المتضررة، مطالباً إياها بالتحرك لفتح المضيق، لأن هيمنة إيران عليه — في نظره — أمر غير مقبول.


وبمتابعة المواقع والقنوات يتضح مقدار الزيف والكيل بمكيالين الذي يميز العالم المتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي… إلى آخر هذه السمفونية التي يعاد عزفها كل يوم.
تركنا نواكشوط مساء اليوم الأول الذي بدأت فيه محطات الوقود وباعة الغاز تطبيق الزيادة الحكومية التي تقررت بين عشية وضحاها.
مدينة غارقة في الغبار، وصراعات المدونين، وشخوص تستمد شهرتها من التفاهة وصناعة المحتوى الهابط. بعضهم مجند من أجنحة داخل النظام تتصارع على الكعكة، والبقية يغردون خارج السرب… لكنهم جميعاً — كما يقول المثل الحساني — «إبط زرعو أخظر».
وفي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بهذه الضوضاء، تواصل أمريكا وإسرائيل قتل آلاف الأبرياء وتدمير مدن كاملة، بينما يفخر رئيس أكبر دولة في العالم بآلة الدمار، ويتحدث عن «أرقام قياسية» في حجم التدمير منذ فجر التاريخ… ويعد بالمزيد.
رفيقاي في الرحلة لا يشغلهما من كل هذا إلا ما يملأ حلق بهيمة حديدية نهمة، تنتشر مظانها في السنغال وبعض دول غرب إفريقيا، وفي الجارة الشمالية أيضاً.
تتراقص صورها المثيرة كلما التهمت المزيد من المال… ونادراً ما تبتسم لأحدهما.
المفارقة أن السائق جو، الذي أقلّنا من نقطة جاما الحدودية، اختار هذه المرة طريقاً رملياً لتجنب المرور بمدينة سان لويس، كما فعل بالعكس نهاية عطلة الأسبوع الماضي حين كنا عائدين من دكار. وخلال الطريق أخذ ينتقد إضراب سائقي سيارات الأجرة، قائلاً إن أسعار المحروقات لم ترتفع عندهم، وإن مطالبهم — في رأيه — صعبة التحقيق، وليس هذا وقتها.
ومن مكان ما قرب سان لويس — أو «أندر» كما يسميها أهلها — صعد بنا السائق السنغالي إلى الطريق المعبد. هناك سرقتني إغفاءة قصيرة، فلم أستحضر المدن التي مررنا بها، حتى جاوزنا تييس، المدينة التي تعمد السائق ألا يمر بها في طريق العودة من دكار الأسبوع الماضي. ثم دخلنا الطريق السيار.
فتحت عيني على زحمة مرور أمام آخر حواجز الدفع. قضينا دقائق في الانتظار قبل أن يأتي دورنا.
تكلفة المرور: 3000 فرنك إفريقي.
كانت دكار هي الأخرى تغرق في الغبار. وعلى يمين الطريق ظلت عمارة Kalia تنتصب كأنها طودٌ حجري يراقب حركة الداخلين إلى المدينة.
بعد قرابة خمس ساعات من السير، بسرعة تراوحت بين 80 و100 وأحياناً 120 كيلومتراً في الساعة، نصل أخيراً إلى وجهتنا.
والغبار… ما زال يملأ السماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى