اسلسلة “المكتب المغلق أم أزمة المرفق العام ” مرافعة من أجل إدارة منفتحة في خدمة المواطن

الزمان أنفو ( نواكشوط):
إهداؤنا :
– الى كل من أدرك أن الوظيفة العمومية تكليف قبل أن تكون تشريفا ؛ ورسالة قبل أن تكون امتيازا .
– وإلى أرواح الرجال والنساء الذين رفعوا مكانة الإدارة الموريتانية ، بما تحلّوا به من نزاهة وتواضع ؛ وبما قدموه من خدمة صادقة وعدل وإنصاف .
– وإلى شباب موريتانيا ، الذين نعقد عليهم الأمل في بناء إدارة أكثر إنسانية ، وأكثر كفاءة ، وأكثر وفاءً لقيم أمتنا وثوابتها .
– الجزء الأول
– مقدمة
السيدات والسادة
أود أن أتوقف اليوم عند ظاهرة قد تبدو عادية في ظاهرها ، لكنها في حقيقتها ، تكشف عن أزمة أخلاقية وإدارية عميقة .
فهذه الأزمة لا ترجع إلى نقص المباني ، ولا إلى محدودية الموارد المالية ، ولا حتى إلى قلة الكفاءات .
إنها تختزل في باب واحد .
نعم … باب يُغلق ! ، وخلفه مسؤول عمومي ، يعزل نفسه عن المواطنين ؛ يقف أمام بابه حاجب ، مهمته أن ينتقي من يدخل ، ومن يُمنع . وربما أن يردّ المواطن أو يمسّ كرامته ، وهو لا يطلب سوى أن يُستمع إليه .
لقد غدا هذا الباب المغلق رمزا لقطيعة مؤلمة :
قطيعة بين الإدارة والمواطن ؛
وقطيعة بين السلطة والشعب ؛
وقطيعة بين تراثنا الحضاري وبعض الممارسات الإدارية الوافدة ، التي فقدت روحها ورسالتها .
أيجهلون أن حضارتنا قامت على مبدأ نقيض تماما ؟ .
لقد عاش أسلافنا في الخيمة ؛ والخيمة لم تعرف الأقفال ؛
ولم تعرف الممرات المغلقة ؛
ولم تعرف قاعات الانتظار ! ! .
كانت مفتوحة تستقبل كل قاصد :
– يجد فيها الغريب طعامه ؛
– ويجد المسافر ماءه ؛
– ويجد الجار أذنا صاغية ؛
– ويجد المحتاج يدا كريمة ؛
– ويجد ا لشيخ أو الزعيم مركزه ، في استقبال الناس وخدمتهم له .
فكيف انتقلنا من ثقافة الخيمة المفتوحة ، إلى ثقافة المكتب المغلق ؟ .
ذلك هو السؤال الذي سيقود تأملاتنا في هذه المحاضرة .
– أولا
– المكتب المغلق … أحد مظاهر أزمة الإدارة .
إن العمارة ليست مجرد حجارة متراكمة ، بل هي انعكاس لطريقة التفكير .
– فالقصر يجسد تصورًا للسلطة ؛
– والمدرسة تجسد تصورا للعلم ؛
– والمحكمة تجسد تصورًا للعدل ؛
– والمكتب الإداري يجسد بدوره ، تصور الدولة لعلاقتها بالمواطن .
وحين يكون أول ما يستقبل المواطن بابا مغلقا ، وهاتفا لا يجيب ، وحاجبا يردد : ” المسؤول غير موجود ” ؛ فإن الرسالة تكون واضحة :
لقد أصبح المواطن عبئا بدل أن يكون
محور الخدمة .
غير أن المواطن -في دولة القانون والمؤسسات – ليس دخيلًا على الإدارة ،
بل هو سبب وجودها !
فالموظف العمومي لا يعمل لنفسه ؛ والوزير لا يتولى منصبه لنفسه ؛
والوالي لا يمارس سلطته لنفسه .
فالوظيفة العمومية – في جوهرها – خدمة للمجتمع ، ومسؤولية تجاه المواطنين . ومن ثم ، فإن إغلاق المكاتب في وجوه الناس ليس مجرد سلوك إداري ، بل هو انحراف عن الغاية التي وُجدت الإدارة لتحقيقها .
قد يبرر بعض المسؤولين ذلك ، ب ” كثرة الانشغالات وضغط الملفات ” ،
غير أن هذا التبرير يحتاج إلى مراجعة . فليس كل مسؤول كثير الانشغال ، مسؤولًا ناجحًا . وفي كثير من الأحيان ، يكون ذلك دليلًا على ضعف التنظيم وسوء التسيير . إذ الإدارة الناجحة لا تقوم على مضاعفة ساعات العمل ، وإنما على حسن تنظيمه .
أما الوقت الذي يُخصص لاستقبال المواطنين ، فليس وقتًا ضائعًا ، بل هو جوهر الخدمة العمومية ، وأساس الثقة بين الدولة والمجتمع .
نهاية الجزء
***
سننتقل في الجزء الثاني إلى محور :
” من الخيمة المفتوحة إلى المكتب المغلق ، ماذا خسرنا؟ ” .
وسنتناول الأسس الفلسفية والدينية والأخلاقية التي ينبغي أن يقوم عليها المرفق العام ، مع استحضار نماذج مشرقة من تاريخ الإدارة الموريتانية ، وفي مقدمتها نموذج المرحوم الحاكم ولد الذيب ؛ ثم نختم بتأملات مستلهمة من القرآن الكريم ، ومن أفكار تولستوي وكانط وأدلر ، لنؤكد أن الوظيفة العمومية ليست سلطة على الناس ، وإنما مسؤولية في خدمتهم . وأن المكتب ليس حصنا يُغلق ، بل فضاءً يُفتح لاستقبال المواطن وخدمة الصالح العام .
(يتبع…)
محمد ولد محمد الحسن
مدرسة مدار –
معهد مددراس2Ires
في 6 يونيو 2026



