حينما يتعلق الامر بالدستور، هل ينبغي أن نُحسن تعديل ثوب الجمهورية ؟

تأمل حر بقلم د.محمد محمدالحسن:

الزمان أنفو ( نواكشوط) .إذا صحّ التشبيه ، فإن الدستور يمكن أن يُقارن بثوب ، أو بـ ” الدراعة ” التي يرتديها الإنسان .

فاللباس الذي يُلبس عند الولادة لا يعود مناسبا للطفل عندما يكبر . وعندما يبلغ مرحلة المراهقة يحتاج إلى تعديل ليتلاءم مع نموه . ثم في مرحلة الرشد ، وفي أوج العمر ، وبعد ذلك في الشيخوخة ، تتغير المقاسات من جديد . قد يتمزق الثوب ، أو يبلى بفعل الزمن ؛ أو يتعرض لاحتراق جزئي ، فيصبح من الضروري إصلاحه ، أو رتقه ، أو تعديله ؛ بل وربما تفصيل ثوب جديد عندما تفرض الضرورة ذلك .

فلماذا يكون الدستور استثناءً من هذه القاعدة ؟ .
الدستور – كغيره من الأعمال البشرية- ينبغي أن يكون قابلاً للتطور مع مرور الزمن ، ومع تغير الوقائع ، وتبدل تطلعات الأمة التي ينظم حياتها .

استلهمنا في موريتانيا – كما في عدد من البلدان الإفريقية – نموذجنا الدستوري من دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة ، الذي وُضع بإرادة ورؤية الجنرال شارل ديغول ، الرجل الذي جمع بين القامة الاستثنائية جسدًا (حوالي 1.96 متر) والمكانة التاريخية والسياسية الفريدة . وبصورة مجازية ، يمكن القول إن ذلك الدستور كان ثوبا فُصِّل لرجل ذي قامة استثنائية ، ولدولة قوية تستند إلى تاريخ مؤسسي طويل . أما نحن ، فما زلنا نحاول التكيف مع هذا النموذج ، رغم اختلاف السياقات التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية ، التي تميز دولنا الفتية .

وللتذكير ، يجدر بنا أن نتوقف عند بعض الأسئلة :

ما المكانة السياسية والتاريخية والإنسانية التي كان يحتلها الجنرال شارل ديغول عندما حمل هذه الرؤية الدستورية ؟ .

ما درجة النضج التي بلغتها الجمهورية الفرنسية، التي يعود تاريخ جمهوريتها الأولى إلى سنة 1792 ؟ .

وكم من العقود – بل من القرون – من التجربة الديمقراطية ، والتطور المؤسسي ، والتعلم السياسي ، سبقت اعتماد دستور سنة 1958 ؟.

لقد تبلورت الديمقراطية الفرنسية تدريجيا عبر أكثر من قرنين ، رغم ما شهدته البلاد من عهود ملكية وإمبراطورية ، ومن تعاقب لأنظمة الحكم .

إن هذه التساؤلات لا تهدف إلى الطعن في أي نموذج دستوري ، وإنما إلى التذكير بأن أي دستور ليس نصا جامدًا . حتى فرنسا نفسها عدلت دستورها مرات عديدة ليواكب متطلبات كل مرحلة من مراحل تطورها .

ويبدو ، في ضوء هذه الملاحظات وهذه المقارنة ، من الضروري التحلي بالواقعية ، والبراغماتية ، واعتماد تفكير عميق ، هادئ ومتجدد . فالدستور يجب أن يكون في خدمة الشعب ، وأن يواكب تطور المجتمع ، وأن يستجيب لتحديات كل جيل . ولا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه نصا ثابتا لا يتغير ، بل إطارا حيا وقابلا للتطوير ، في ظل احترام المبادئ الأساسية لدولة القانون .

إن الحكمة السياسية الحقيقية تتمثل في الحفاظ على ما أثبت نجاحه ، وإصلاح ما لم يعد يستجيب لحاجات البلاد ؛ وتكييف مؤسساتنا مع واقعنا الوطني ، بما يخدم المصلحة العليا لموريتانيا ، ويحفظ حقوق الأجيال القادمة .

محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس 2Ires و
مبادرة TEBRI – موريتانيا
6 يوليو 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى