الچزء الثاني من سلسلة: المكتب المغلق أم أزمة المرفق العام
مرافعة من أجل إدارة منفتحة في خدمة المواطن

الزمان أنفو _ ( نواكشوط):
من الخيمة المفتوحة إلى المكتب المغلق :
ماذا فقدنا ؟
أيها المواطنون الأعزاء
قبل أن نتحدث عن الإدارة ، لنتحدث أولا عن تاريخنا .
نؤكد أن قبل المباني الإدارية ، وقبل الوزارات ، وقبل الاستمارات والأختام كانت هناك الخيمة .
لم تكن الخيمة مجرد مسكن ،
بل كانت مدرسة ؛
وكانت مؤسسة ؛
وكانت أسلوبا للعيش المشترك .
كانت الخيمة المفتوحة في المجتمع الموريتاني التقليدي رمزا . كما كانت ظلال الشجرة الكبيرة في الساحة العائلية المفتوحة ، فضاء للنقاش واتخاذ القرارات . وكان ذلك يعني : لا ينبغي أن يُترك احدا وحيدا أو مهمَلا . فالمسافر كان يستطيع الدخول ؛ والجار كان يستطيع المجيء ؛ والفقير كان يستطيع أن يطلب المساعدة ؛
والحكيم كان يستطيع أن يُسدي النصح ؛ والشاب كان يستطيع أن يتعلم .
لم يكن الزعيم يختبئ خلف الأبواب . فمكانته لم تكن تُقاس بالمسافة التي تفصله عن الناس ؛ بل كانت تُقاس بمدى حضوره واستعداده لاستقبالهم . واستقبال الناس كان جزءًا من واجبه ؛
والإنصات إليهم كان جزءًا من سلطته . ومشاركتهم همومهم كانت جزءًا من شرفه . وكلما ازداد الرجل احترامًا ، اتسعت خيمته أو ساحته ، وازدادت انفتاحًا أمام الجميع .
وهكذا نشات الثقة من هذا القرب .
وكانت النزاعات تجد حلولها في كثير من الأحيان حول كأس من الشاي . وكانت الخلافات تُحل بالحوار . وكان الضعفاء يستطيعون عرض مشاكلهم دون الحاجة إلى عبور سلسلة من الحواجز . ولم يكن أحد يحتاج إلى موعد مسبق ، حتى يُسمَع صوته .
لم يكن بطبيعة الحال ذلك المجتمع مجتمعًا كاملا . فقد عرف أيضًا مظاهر الظلم وحدوده ؛ لكنه أدرك حقيقة أساسية ؛ وهي أن السلطة تفقد مشروعيتها عندما تصبح بعيدة عن الناس ، ويتعذر الوصول إليها .
واليوم ، يبدو أن كثيرًا من إداراتنا قد نسيت هذا الدرس . فقد حلت المكاتب المغلقة محل الخيمة المفتوحة والساحة المفتوحة ؛ وأصبح المسؤول صعب المنال ؛ ويبقى الهاتف دون جواب ؛ وتؤجل المواعيد ؛
وينتظر المراجعون ساعات طويلة .
بل وأحيانًا يغادرون دون أن يستقبلهم أحد . وفي النهاية ، يشعر المواطن أنه يزعج الإدارة ، ويتردد في العودة .
وقد يتخلى أحيانا عن المطالبة بحقوقه .
يخلف هذا الوضع ، آثارًا خطيرة . فهو يدمر الثقة تدريجيا .
وهناك حقيقة أخرى تؤكدها التجربة في كثير من الأحيان .
فكلما كان الاقتراب المسؤول متاحا للمواطنين ، ازداد فهمهم لدور الإدارة .
فعندما يُستقبل المواطن باحترام ، ويُستمع إليه باهتمام ، وتُشرح له الأمور بصدق ، فإنه يتقبل قيود الإدارة بسهولة أكبر ؛ حتى وإن لم تكن الإجابة التي تلقاها هي التي كان ينتظرها .
ويرجع ذلك أيضا إلى سمة عميقة في مجتمعنا .
الشعب الموريتاني شعب حوار ، ويعرف كيف يقدّر من يعامله باحترام . انه يفهم وجود الصعوبات ، وحدود القانون ، وإكراهات المرفق العام ، عندما تُشرح له بكل صراحة . كما يتحلى بالصبر والتسامح عندما يشعر أنه محل احترام .
لكن هذا الشعب نفسه ، يمتلك أيضا إحساسا عميقا بالشرف والكرامة .
فعندنا ، الشرف ليس مجرد شعور ،
بل هو قيمة . وهو أسلوب يؤخذ بعين الاعتبار في الوجود والحياة . وعندما تُمس هذه الكرامة ، وعندما يُتجاهل المواطن ، أو يُهان ، أو يُصرف دون تفسير ، فإن الأمر لا يتعلق برفض طلبه فقط ؛ بل يشعر بأن كرامته الشخصية مُست . عندئذ تحل الريبة محل الثقة ، ويحل سوء الفهم محل الحوار ؛ ويحل الإحباط محل الصبر ؛ وتحل الشائعات محل التوضيحات .
وعندها ، ما كان يمكن أن يكون مجرد صعوبة إدارية بسيطة ، قد يتحول إلى جرح عميق يدوم طويلا .
لهذا ، فإن فتح الباب أمام المواطن ، واستقباله ومخاطبته باحترام ، ليست مجرد مظاهر لياقة ؛ بل هي أعمال من صميم حسن الإدارة . وهي أيضا دليل على الذكاء الاجتماعيه .
فالمواطن الذي يُحترم ، يصبح أكثر تفهما . والمواطن الذي يُستمع إليه ، يصبح أكثر تعاونا.
والمواطن الذي يحصل على المعلومات ، يصبح أكثر صبرا .
والإدارة التي تحترم المواطنين تحظى -في المقابل – باحترامهم . ولا تستطيع أي إدارة أن تعمل بصورة مستدامة من دون ثقة زبائنها .
فعندما يفقد المواطن ثقته في أن الإدارة ستستمع إليه ، يبدأ في البحث عن طرق أخرى . يلجأ إلى الوسطاء ؛ ويبحث عن التوصيات ؛ ويعتمد على العلاقات الشخصية .
وهكذا يولد التحيز ؛
وتنشأ المحسوبية ؛
وينتشر الفساد .
إذن ، فالمسألة ليست مجرد باب يُفتح أو يُغلق .
إنها مسألة ثقافة إدارية .
قد يبدو الباب المغلق تفصيلا صغيرا ، لكن آلاف الأبواب المغلقة كفيلة بأن تُبعد شعبا بأكمله عن إدارته . وعلى العكس ، فإن الباب المفتوح يبعث برسالة بسيطة :
” أنتم هنا في بيتكم ، والإدارة وُجدت لخدمتكم ” .
فالإدارة القوية ليست هي التي تُرهب الناس ، بل هي التي تبعث الطمأنينة في قلوبهم . والإدارة المحترمة ، ليست هي التي تثير الخوف ، بل هي التي تبني الثقة .
ولسنا مضطرين للاختيار بين هيبة السلطة وحسن الاستقبال . فالاثنان يمكن أن يتعايشا معا . يستطيع المسؤول أن يكون منظما دون أن يكون بعيدا عن المواطنين . ويستطيع أن يحمي وقته ، مع تخصيص أوقات للاستماع إليهم . ويستطيع أن يطبق القوانين ، دون أن يمس كرامة الأشخاص .
إن الهيبة الحقيقية للمسؤول لا تكمن في عدد الأبواب التي تحجبه عن الناس ، بل تكمن في عدد المواطنين الذين يتخطون عتبة باب مكتبه ، وهم يشعرون بأنهم قد سُمِعوا واحْتُرِموا .
ولعل هذا هو ما فقدناه ، عندما غادرنا حضارة الخيمة ، وظلال الشجرة في الساحة العائلية الكبرى . لكن القيمة المفقودة ليست قيمة زالت إلى الأبد ، بل يمكن استعادتها ، ويمكن نقلها إلى الأجيال المقبلة . كما يمكن أن تصبح من جديد ، أساسا لإدارة حديثة ، فعالة ، وعميقة الجذور في الهوية الموريتانية . وهذه الفكرة بالذات تقودنا إلى الجزء الثالث من تأملنا .
وسنرى فيه أن هذا الانفتاح ليس مجرد إرث من تقاليدنا ، بل إنه أيضا في صميم الفلسفة ، والأخلاق ، ومختلف الرسالات الدينية الكبرى التي تؤكد جميعها ، أن السلطة لا يكون لها معنى إلا عندما تُسخَّر لخدمة الإنسان .
٠٠٠٠٠٠
محمد بن محمد الحسن
مدرسة مدار
في 7 يوليو 2026



