من تدوينات الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي

(٣ )
في الماضي البعيد ولدت في تونس ، التي قصدها أبي سنة 1948 بعد خروجه من السجن إثر مجازر 8 ماي 1945 و كان ممن خططوا لها وشاركوا فيها ، و تعرضوا لملاحقات بوليسية جعلت هجرته كما هجرة بعض رفاقه ضرورية ، و كان من الطبيعي أن يواصل الدفاع عن قضيته حيث وجد و أن ينخرط في الحزب الدستوري الحر لإيمانه بوحدة قضايا التحرير و المصير المغاربي .
ما كان لمسار أبي ليكون مهما ، لولا أنه كان موازيا لمسار الجزائر في أصعب مراحل تاريخها ، و تطابق مجرى حياته مع تاريخ الحركة الوطنية، مذ ميلاد حزب الشعب الجزائري في أربعينات القرن الماضي الذي ناضل فيه ، و كان أمين سره في قسنطينة ، مرورا بتمثيله للحكومة المؤقتة في الخارج في الدول الإشتراكية ، كممثل للاتحاد العام للعمال الجزائريين . أيام حرب التحرير و مهامه غداة الإستقلال . لذا تربيت في بيت تقاسمنا إياه أسماء ما كنت أدري أنها تاريخية ، نستقبلها أو تترد في حديث أبي . صغيرة عرفت منهم سي عبد الحميد مهري و خليفة لعروسي و الدكتور تيجاني هدام و محمد يزيد و محمود الشريف ، ثمّ التقيت غيرهم حين كبرت .
في الواقع ، ظاهرة الحكومة المؤقتة لم يعرفها العالم من قبل ، كان حدثا ، أن يقرر لأول مرة بلد مستعمَر ، أن تكون له دبلوماسية ضد مستعمر استيطاني يحتله ، خطط لاستبدال شعب بشعب و دين بدين و لغة بلغة . و كان عليه أن يثبت أن لديه نخبة تفكر و تخطط لمستقبل البلاد ، ليس فقط بإعلان حرب مسلحة في الجبال ، بل بواجهة دبلوماسية و إعلامية تجعل الجزائر التي حاول الإستعمار طمسها حاضرة في المحافل الدولية ، و هكذا تكوّنت حكومة من وزراء و إطارات سامية تعتمد عليها الجزائر لخوض معركتها الأخرى .
من إنجازات الحكومة المؤقتة ، أنها ببعد نظر سياسي ، ارتأت في السنوات الأخيرة للثورة ، تحويل الجرحى من المجاهدين المتعلمين ، إلى ساحة أخرى للمعركة ، استعدادا لما بعد الإستقلال ، فأمّنت لهم عدة منح لبعثات دراسية في الخارج وفق مستواهم الدراسي و اهتماماتهم ، ما كان الأمر وقتها يحتاج إلى واسطة كانت الغيرة عل مستقبل الجزائر تقود قرارات الجميع . و هكذا أرسل خالي عزالدين ملاح بعد تعافيه من جراحه في الأوراس ، إلى المدرسة العسكرية في سوريا و منها للإتحاد السوفياتي ، الذي عاد منه ضابطا في الطيران. أما خالتي بديعة التي في العشرين من عمرها التحقت سنة 1957 بالجبهة ، فقد أرسلتها الحكومة المؤقتة إلى أمريكا للدراسة ضمن بعثة تونسية .
سيدي عزالدين ، كما خالتي بديعة لبيا في الواقع كمئات الطلبة نداء اتحاد الطلبة الجزائريين الذي أطلقه في 18 ماي 1956 لحث الطلبة عل الإلتحاق بالجبهة و الإنخراط في الكفاح المسلح تحت شعار شهير ” شهاداتنا لن تجعل جثاميننا أفضل ” و كان آنذاك الراحل الكبير أحمد طالب الإبراهيمي من يترأس اتحاد الطلبة الجزائريين .
في هذه العائلة الثورية تربيت ، ما اخترت قدري، لكنّني اخترتُ مقامي. لم يكن مسموحاً لي أنا بالذات أن أصغر أو أنحني فقد جئتُ العالم و قامتي من قامة الجزائر. هكذا أرادها التاريخ و هكذا أرادها الأدب، الذي في غياب أبي و ضع في طريقي سي عبد الحميد مهري رحمه الله ، الصديق الأقرب لأبي ،الذي صادف أثناء غربتي الباريسية ، أن شغل بين سنة 1984 و 1988 منصب سفير للجزائر في فرنسا . و هي السنوات التي كتبت فيها ذاكرة الجسد بتوجيه و إصرار منه ، أن أنتقل من الشعر إلى الرواية .
في زمان آخر، ربما كان سي عبد الحميد مهري و هو أحد رجال الحكومة المؤقتة ، سيرسلني من الجبهة إلى الدراسة في بعثة ما ، لكن وقد تغيرت الحروب و ما عاد معروف من العدو ، أخذني رحمه الله من الشعر و بعث بي عزلاء إلى جبهة الرواية ، لأواصل خوض معارك أخرى كثيرا ما تقاسمها مع أبي .
رحم الله سي عبد الحميد مهري و رفاقه ، الثابتين على الثوابت في كل مراحل تاريخ الجزائر . لهم منا كل الإمتنان و الإجلال .
كل عام ونحن و جزائرنا بخير .
🇩🇿❤️🇩🇿
أحلام مستغانمي
( في الصورة والدي و والدتي و عمي صالح غوجيل قائد سيدي عز الدين في الجبهة بالأوراس ، والذي أصبح لاحقا رئيس مجلس الأمة ، وقد جاء يعوده في مستشفى شارل نيكول حيث نقل جريحا من الجبهة)



