معهد ” مدد راس” : التصدير المكثف للثروة الحيوانية الموريتانية ، خطر وجودي يهدد اقتصادنا وأمننا الغذائي وحضارتنا الرعوية
رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ، وإلى الرأي العام الوطني

الزمان أنفو ( نواكشوط):
الموضوع :
التصدير المكثف للثروة الحيوانية الموريتانية ، خطر وجودي يهدد اقتصادنا وأمننا الغذائي وحضارتنا الرعوية
فخامة رئيس الجمهورية ،
أيها المواطنون الأعزاء
أتوجه إليكم اليوم بنداء استغاثة وتحذير ، من خطر قد تكون عواقبه كارثية ولا رجعة فيها ، على وطننا ! .
تملك موريتانيا ثروة استثنائية تتمثل في ثروتها الحيوانية . وقد شكل هذا المورد المتجدد – على مدى قرون – أحد الأعمدة الأساسية لاقتصادنا ، وأمننا الغذائي، وهويتنا الوطنية .
وإذا كان قطيعنا الوطني قد استطاع أن ينمو ويتجدد حتى اليوم ، فليس ذلك بفضل الظروف البيئية الملائمة للنظم الرعوية الصحراوية والمناخ المناسب لتربية الماشية ، ولا سيما الإبل فحسب ، بل أيضا لأن الطلب المحلي ظل محدودا نسبيا بحكم قلة عدد السكان وضعف القدرة الشرائية . وقد أتاح هذا التوازن للثروة الحيوانية أن تتجدد بصورة طبيعية .
غير أن هذا التوازن أصبح اليوم مهددًا بصورة خطيرة .
ففتح الباب أمام تصدير واسع النطاق إلى دول تمتلك إمكانيات مالية هائلة ، وقدرة شرائية تفوق قدراتنا بكثير . وطلبا يفوق قدرة ثروتنا الحيوانية على التجدد ، ينذر باستنزاف خطير لهذه الثروة الوطنية . ولا يستطيع أي قطيع أن يصمد طويلًا أمام طلب خارجي ، يتجاوز قدرته البيولوجية على التكاثر .
ولتوضيح خطورة الوضع ، يمكن تشبيه ما يجري اليوم ، بإقناع أحد المربين ببيع قطيعه تدريجيا ، حتى يتمكن جاره من الحفاظ على قطيعه ، وتنميته . فقد تبدو العائدات الفورية مغرية ، لكنها في النهاية تؤدي إلى فقدان الأول لرأسماله ؛ بينما يعزز الثاني رأسماله بصورة دائمة .
لا ، لا ينبغي لموريتانيا أن تكون ذلك المربي .
ولا يمكنها أن تقبل بأن يتحول رأسمالها الحيواني – الذي تراكم بصبر عبر الأجيال – إلى وسيلة لتعزيز القدرات الرعوية لدول أخرى ؛ في حين أنه يمثل أحد أهم ركائز سيادتها الغذائية ، واقتصادها الرعوي .
يجسد هذا المثال حقيقة اقتصادية أساسية ، كثيرا ما تغيب عن النقاش العام ؛ وهي التمييز بين رأس المال المنتج والدخل . فثروتنا الحيوانية ليست مجرد سلعة يمكن بيعها بلا حدود ، وإنما هي رأس مال حي ، وتراث وطني ، يتكاثر ويولد بصورة مستدامة الدخل ، وفرص العمل والثروة والصادرات والأمن الغذائي .
وتزدهر الأمم عندما تعيش من عائدات رأس مالها ، لا عندما تستهلك هذا الرأسمال نفسه ، تدريجيًا .
إن التصدير المفرط للحيوانات المخصصة للتكاثر ، يعني في الواقع ، المساس بهذا الرأسمال الوطني .
قد توهم الإيرادات الفورية الناس بوجود ثراء ، بينما حقيقة ذلك ، ليست سوى عملية استنزاف للرأسمال الوطني ؛ أي أننا نستبدل ثروة دائمة بمكسب مؤقت .
ولا يوجد مدير شركة عاقل ، يبيع جميع آلاته ليحقق أرباحا استثنائية لبضعة أشهر ؛ لأنه بذلك ، يحكم على شركته … بالزوال . ولا يوجد مزارع يبيع كل بذوره قبل موسم الأمطار .
كذلك … لا يجوز لدولة مسؤولة أن تسمح بتصفية الرصيد التناسلي لثروتها الحيوانية ، مقابل مداخيل ظرفية .
ويرى معهد مددراس2ires ، أن هناك مبدأً أساسيًا من مبادئ الحوكمة الاقتصادية الرشيدة وهو : أن الأمة لا ينبغي لها أبدًا ، أن تمول تنميتها بتدمير رأسمالها الإنتاجي ، المتجدد .
فالموارد المتجددة لا يجوز استغلالها إلا بالوتيرة التي تسمح بها قدرتها الطبيعية على التجدد . أما تجاوز هذه الحدود ، فلا يسمى تنمية ، بل هو استنزاف لرأس المال الوطني . ومن ثم ، فإن الثروة الحقيقية لموريتانيا لا تكمن فقط في عدد الحيوانات التي تمتلكها اليوم ، وإنما في قدرتها على تجديد هذا الرصيد جيلا بعد جيل .
هذه القدرة على التكاثر ، هي التي ينبغي حمايتها قبل كل شيء . فإذا ضاعت ، فلن ينهار قطاع اقتصادي فحسب ، بل ستتضرر سيادتنا الوطنية ، وأمننا الغذائي ، وجزء أصيل من تراثنا الرعوي .
وإذا استمرت هذه السياسة ، فإننا سنواجه اندثارا تدريجيا لما تبقى من حضارتنا الرعوية ، وانهيارا لمورد متجدد ، سيفقد صفة التجدد بعد تدمير رأسماله التناسلي ؛ فضلا عن تفاقم انعدام الأمن الغذائي في بلد يعاني فيه جزء مهم من السكان أصلا من سوء التغذية ، بينما تظل البروتينات الحيوانية موردا أساسيا .
ومن ثم ، فالقضية ليست مجرد نقاش اقتصادي . انها :
خيار استراتيجي
يتعلق بالسيادة الوطنية ، والأمن الغذائي ، ومستقبل حضارتنا الرعوية . وأزن كلماتي جيدا عندما أقول : إن الذين يشجعون أو ينظمون تصديرا غير منضبط للثروة الحيوانية ، يتحملون مسؤولية تاريخية بالغة الخطورة ! .
فهم يخاطرون بتقويض الاقتصاد الرعوي الوطني والمصالح العليا للبلاد … على المدى الطويل .
لقد عرفت موريتانيا في الماضي أخطاء في إدارة مواردها المعدنية والبحرية والمالية والبشرية .
لكن ، نادرا ما حمل قرار واحد ، خطرا مباشرا بهذا الحجم ، على أحد أهم الأسس الاقتصادية والاجتماعية لبلدنا . إنه :
موقف ثابت لمعهد
مددراس 2Ires
وأود أن أؤكد أن هذا الموقف ليس جديدا ، ولا تمليه اعتبارات سياسية ظرفية .
ففي 3 أبريل 2026 كان معهد مددراس قد وجه رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية ، حذر فيها من المخاطر التي تهدد ثروتنا الحيوانية .
وقد أوضحت تلك الرسالة آثار التضخم العالمي الناتج – خاصة – عن النزاعات الأخيرة ، والتي دفعت العديد من المربين إلى بيع إناثهم ( المخصصة للتكاثر ) لمواجهة أوضاعهم الاقتصادية الصعبة .
كما اقترحت إجراء تحقيق وطني شامل ، ومنعا مؤقتا لبيع الإناث المخصصة للتكاثر ، وتعزيز دعم المربين من خلال دعم أسعار أعلاف الماشية وتكاليف النقل .
ومن ثم ، فإن تحليلنا اليوم ، يأتي امتدادا لسابقه .
غير أن اليوم ، اصبح الخطر أكثر جسامة بسبب التسارع الكبير في عمليات التصدير .
كما أن مبادرتنا هذه ليست موجهة ضد أي شعب ، ولا ضد أي دولة ، ولا ضد أي شريك اقتصادي.
وإنما هدفها الوحيد هو الدفاع عن المصالح العليا لموريتانيا .
نداء إلى فخامة رئيس الجمهورية
فخامة الرئيس ،
من أجل التاريخ ، ومن أجل الأجيال الحالية والقادمة ، نناشدكم بكل احترام أن تتدخلوا دون تأخير ، لوضع حد لهذا المسار … قبل فوات الأوان .
فالعواقب الاقتصادية والاجتماعية والغذائية والاستراتيجية ، المترتبة على التراجع التدريجي لثروتنا الحيوانية معروفة يمكن توقعها . ولا يجوز بتاتا ، تجاهلها . فالتاريخ سيحكم على القرارات التي تُتخذ اليوم .
نداء إلى جميع الموريتانيين
كما أتوجه بنداء إلى جميع المواطنين الوطنيين ، والأحزاب السياسية ، ومنظمات المجتمع المدني ، والنقابات ، والمثقفين ، وقادة الرأي .
فأمام خطر بهذا الحجم ، ينبغي أن تتراجع الخلافات أمام المصلحة العليا للوطن .
ويتعين على الجميع أن يتعبأ لمنع ما قد يصبح أحد أخطر الأخطاء الاقتصادية في تاريخنا .
إن الصمت ، أو اللامبالاة ، أو السلبية أمام مثل هذا الخطر ، يمثل تقصيرا جسيما في مسؤولياتنا الوطنية.
مسؤولية العالم الإسلامي .
وأخيرا ، فإن هذه القضية تتجاوز حدود موريتانيا .
والتضامن بين الدول الإسلامية ينبغي ألا يبقى مجرد شعار .
كما نناشد حكومات الدول الشقيقة ، لا سيما تلك التي لديها تأثيرا في هذا المجال ، أن تدرك العواقب التي قد تترتب على الاستغلال المفرط للثروة الحيوانية الموريتانية بالنسبة لمستقبل بلادنا . فالمساهمة في الحفاظ على هذا المورد الحيوي واجب تضامني ، ينسجم مع قيم حضارتنا الإسلامية المشتركة .
الخاتمة
فخامة رئيس الجمهورية ،
لم يعد الوقت يحتمل الدراسات التي لا تنتهي .
لقد حان وقت اتخاذ القرار .
إننا نناشدكم لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للحفاظ على الثروة الحيوانية الوطنية ، وصون أمننا الغذائي ، وحماية اقتصادنا الرعوي ، ونقل هذا الإرث الثمين إلى الأجيال القادمة ، باعتباره إحدى أعظم ثروات موريتانيا . وسيسجل التاريخ أسماء الذين اختاروا الدفاع عن المصلحة العليا للوطن .
ندعو حكومات الدول الشقيقة، ولا سيما تلك التي تتمتع بنفوذ في هذا المجال، إلى إدراك العواقب التي قد تترتب على الاستغلال المفرط للثروة الحيوانية الموريتانية، ليس على مستقبل بلادنا فحسب، بل أيضًا على الدول الإفريقية المسلمة المجاورة.
إن الإسهام في الحفاظ على هذا المورد الحيوي يمثل واجبًا تضامنيًا ينسجم مع قيم حضارتنا المشتركة.
الخاتمة
السيد الرئيس،
لم يعد الوقت يحتمل المزيد من الدراسات التي لا تنتهي.
لقد حان وقت اتخاذ القرار.
إننا نطالبكم باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للحفاظ على الثروة الحيوانية الوطنية، وحماية أمننا الغذائي، وصون اقتصادنا الرعوي، وضمان نقل هذا الإرث، الذي يُعد أحد أعظم ثروات موريتانيا، إلى الأجيال القادمة.
وسيسجل التاريخ أسماء أولئك الذين اختاروا الدفاع عن المصلحة العليا للوطن.
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد 2IRES
ومبادرة TEBRI Mauritanie
**9 يوليو2026

