حيّ التيسير يودّع شيخَه حشَّن: غاب الشخص وبقي الأثر

الزمان أنفو (نواكشوط):
كتب النائب إسلكو ولد أبهاه في رثاء الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم، المعروف بـ«حشَّن»:
«إن حشَّن كان أمةً قانتًا لله حنيفًا ولم يكُ من المشركين…»
بات حي التيسير ليلة الخميس الماضي ليلته الأولى منذ تأسيسه قبل أكثر من نصف قرن، وهو يعرف أنه لن يرى الشيخ حشَّن يهادي بين الرجلين، ورجلاه تخطان الأرض سَحَرًا صوب المسجد الذي يتوسط القرية الهادئة، التي لا يكاد يُسمع فيها غير صوت ترديد آي من الذكر، أو نص من الفقه، أو بيت من الشعر، وما جرى مجرى ذلك.
كان الحي الهادئ قد حبس أنفاسه وعاش لحظات عصيبة قبل ستة عشر عامًا، حين اشتد المرض بالشيخ حشَّن، ونُقل على جناح السرعة إلى أحد مشافي العاصمة التونسية. لكن الأمل يومها ظل قائمًا في أن يعود الشيخ إلى حيّه، بينما يعرف أهل التيسير اليوم أن حشَّن غادر هذه الحياة الفانية التي لم ترق له يومًا، ولم تصطده شباكها وأشرعتها الملقاة في كل مكان؛ فظل فيها دومًا غريبًا عابر سبيل، تمامًا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
وكانت رحلة تونس يومها أول اختبار عصيب لصورة التيسير «ما بعد حشَّن». فقد بلغت القلوب الحناجر، وظُن بالله الظنون، وأدلهمت الخطوب، وسالت دموع كثيرة.
ومع بزوغ فجر اليوم الموالي، حين توسط نجل الشيخ، العلامة الشيخ عبد الرحمن، مجلس التدريس، واعتدل في مجلسه أمام طلاب كتب المتممات، وهو يقول: «مشوا»، أزاحت تلك الكلمة البسيطة العظيمة قسطًا من الهم الذي كان يتملك الجميع.
ثم سرى الخبر يخبط الظلماء من بطن التيسير إلى الشيخ في المشفى التونسي، فلم يتعرج، فتهللت أساريره، وأشرق وجهه بالبشر، وسرّ بذلك سرورًا رُئي على محياه. لقد اطمأن على المحظرة، وعرف أن الطلاب «لن يغبوا» بعد اليوم، وذاك همٌّ طالما حمله الشيخ حشَّن وعمل لأجله.
لقد بدت دروس التوحيد التي طالما غرسها حشَّن في قلوب ساكنة التيسير ومن حولها أمام اختبار عسير، لكن الله سلّم؛ فصبر أهل التيسير واحتسبوا، ولم ينقلبوا على أعقابهم.
حين بدأت تتشكل أولى معالم وعيي وإدراكي في هذه الحياة، كانت مضارب حيّنا على مشارف التيسير، ولم يكن من سبب لوجود ذلك الحي الذي ترعرعت فيه، في تلك البقاع، غير مجاورة حي التيسير وعالمه الفذ الشيخ محمد الحسن ولد أحمدو الخديم، رحمه الله.
كان يومها رجلًا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، راشدًا، يتوسط العقد الخامس، لكنه يبدو أكبر من عمره؛ فوقاره وهيبته ومكانته في مجتمعه كانت تنبئك أنه في السبعين من عمره.
ولا أزال أذكر جلساته الطويلة في «دار التگرية» شمال الحي، والطلاب من حوله كأنما على رؤوسهم الطير، وهو في صدر المجلس؛ إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، كأن منطقه خرزات نظم تتحدر.
كما لا أزال أذكره بوضوح وهو يقوم من حين لآخر لأخذ كتاب من رفوف المكتبة المصطفة خلفه، في بيت ملحق بدار التكرية، فيعود وإصبعه السبابة تتوسط الكتاب، فيقرأ أسطرًا منه أو يأمر بذلك، قبل أن ينفض مجلس التدريس.
ثم ينصرف جل الطلاب إلى «اتهال» الطلاب المتناثرين شمال دار التدريس، في بساطة يستغرب المرء معها مستوى التحصيل العالي الذي كانوا يتحصلون عليه ويكررونه، وهم ينهلون من معين صاف زلال.
ولعل مما علق بذهني كذلك صورة الحبل الذي استعمله الشيخ حشَّن يومها ليقيس به، «بالضبط»، المسافة بين حي التيسير والمسجد الذي تقام به الجمعة في الجديدة، في تحرٍّ ودقة نادرين، قبل أن يفتي في حكم الجمعة لساكنة التيسير.
كانت سنوات الثمانينيات سنوات قحط وجفاف؛ جف فيها الضرع، ونضب المعين، وأجدبت الأرض، وشح المطر، وقل الزرع، وعز القوت، واشتد الجفف والشظف. فخلت الديار والمنازل من حول الحي، وألح أصدقاء ومحبون كثر على الشيخ أن يتقدم لوظيفة في الدولة، قاضيًا أو إمامًا أو مدرسًا، تعينه على نوائب الدهر وتفتح له بابًا للمستقبل، خصوصًا وقد قل الطلاب ونزح الأهالي والجيران إلى العاصمة.
لكن الشيخ كان يرى ما لا يرون، ويفكر بما لا يفكرون؛ فقد قرر المرابطة هناك والصبر على الظروف الصعبة، وتدريس من شاء، سنوات عديدة، قبل أن تصبح التيسير قبلة وطنية وعالمية يفد إليها طلاب العلم من كل حدب وصوب، زرافات ووحدانًا.
على أن الشيخ حشَّن، في كل ذلك، ظل هو نفسه؛ ما بدّل ولا غيّر. لقد رزقه الله قوة في الحق، وهيبة وعظمة وثباتًا في مواقف ابتُلي فيها غيره فزلت أقدامهم.
ومن ذا الذي لا يذكر اللائحة التي أعدتها سلطات ولد الطائع أيام اعتقال الشيخ الددو ورفاقه، وطافت بها المخاطر والقرى توقيعًا وإقرارًا؟ لكن حشَّن اجتباه ربه وهداه إلى صراط مستقيم، فلم يوقع تلك العريضة، ولم تخفه تخويفات المرجفين، كما لم تغره وعود المتزلفين.
وعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا، ظلت القرى والحواضر تتنافس في أن تكون مقرًا لمكتب أو مكاتب تصويت، ومركزًا لوحدات الأحزاب الحاكمة، إلا خاصرة التيسير.
أما قصة الجائزة والزيارة فأشهر من أن تعاد أو تكرر.
وعلى مدى عقود، ظلت محظرة التيسير عنوانًا بارزًا لكسر الفصام النكد بين طلاب العلم المحظري والسائرين في فلك الدعوة بكل مدارسها المعتدلة المتزنة. وقد أحصيت بالأمس مع أحد المشايخ أكثر من سبعة وعشرين من قادة الدعوة والمنخرطين في التيار الإسلامي، من كبار طلاب الشيخ الذين ثنوا ركبهم سنين عديدة بين يديه؛ فمنهم من حاز الإجازة العامة، ومنهم من قاربها حتى كان قاب قوسين أو أدنى منها.
وليس الأمر بالجديد؛ فحين ثار فقهاء وعلماء تقليديون كثر ضد جماعة الدعوة والتبليغ، وكان البلد يومئذ حديث عهد بها، قال حشَّن أبياته التي سارت بها الركبان:
«هل من يسافر يجوب بلدا
لبلد مرشدا أو مسترشدا
يستوجب الإنكار فيما يأتي
وإنما الأعمال بالنيات
وحتم نصح مسلم شهير
لو فقد الطلب والتأثير
فلمسافر لوعظ خارج
جئ بالتماس أحسن المخارج»
ومن أجمل ما سمعت في استغلال الشيخ للوقت، ما حدثني به الإمام الشيخ أحمد فال سيد أحمد أحمد يحيى، حفظه الله، أنه سمع من الشيخ حشَّن أنه قدم ذات مرة لمهمة استشفائية في نواكشوط، فاقتضت الظروف بقاءه نحو شهر، فمكثه كاملًا مع الشيخ بداه البصيري يأخذ عنه بعض مصطلح الحديث؛ فكان تدريسه للعلم وأخذه له في كل حال وحين.
لقد أرسى حشَّن منهجًا في التعامل مع الطلاب قل نظيره وآتى أكله؛ فعلى الطالب أن يتفرغ لما جاء من أجله، إذ لا تُراد منه خدمة ولا مخالطة، وهو في الغالب حر في ما يقرأ ويكتب، وهو حر كذلك في طريقة قراءته وحفظه، وهو حر في معتقداته وآرائه وتوجهاته، على أن يظل ذلك في حدود اللباقة والأخلاق والاحترام العام.
وقد وفق الله الشيخ حشَّن، رحمه الله، في أن يترك للبشرية، إلى جانب العلم المبثوث في صدور الرجال، علمًا مسطورًا في الكتب والمؤلفات التي زادت على المائة، في مجالات القرآن واللغة والفقه المختلفة.
وختامًا، فقد مر الشيخ حشَّن وترك أثرًا باقيًا يحيط بذلك ويعضده: خلق رفيع مع القريب والغريب، وتواضع جم، وعبادة راشدة.
لقد رحل الشيخ حشَّن، رحمه الله، وبقي أثره؛ غاب الشخص وبقي الأثر، مضى جسده وبقيت مآثره. رحل عن الدنيا وبقي في القلوب، غاب عن الأبصار ولم يغب عن القلوب، وترك من جميل الأثر ما أبقى له جميل الذكر.
كان عابرًا في الدنيا، لكنه ترك فيها أثرًا لا يعبر. لقد غاب بالفعل شخصه، وبقي ذكره.
فرحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، وبارك في عقبه من بعده، ووفقهم للسير على هديه ومنهجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى