بليغ حمدي.. «ملك الموسيقى» الذي أحب كثيراً ولحّن أكثر ومات وفي قلبه حلم إخناتون

عبدالله محمدبون

الزمان أنفو (نواكشوط): في مثل هذا اليوم من عام 1993، أسدل الستار على حياة واحد من أبرز المجددين في تاريخ الموسيقى العربية، الملحن والموسيقار المصري بليغ حمدي، الذي رحل في باريس عن عمر ناهز 62 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض.
رحل بليغ، لكن ألحانه بقيت حاضرة في الذاكرة العربية، من أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة الجزائرية ونجاة الصغيرة وشادية وميادة الحناوي وسميرة سعيد وغيرهم، حتى غدا اسمه مرتبطاً بمرحلة كاملة من تطور الأغنية العربية الحديثة.
ولم تكن حياة بليغ حمدي الفنية منفصلة عن حياته الخاصة؛ فقد كان شخصية مثيرة للجدل، وتعددت علاقاته العاطفية والزيجات التي ارتبط اسمه بها، حتى إن البعض حاول تفسير غزارة ألحانه وثرائها من خلال حياته العاطفية المضطربة، بينما كان هو ينظر إلى المرأة في حياته باعتبارها مصدراً للحب والإلهام.
وكان بليغ، وفق روايات مقربين منه، يصف زوجاته بالقول إنهن «كل شيء في حياته»، إلا أن اسم وردة الجزائرية ظل مرتبطاً بقصة الحب الأكثر شهرة في حياته، وبواحدة من أهم الشراكات الفنية في تاريخ الغناء العربي.
بليغ ووردة.. حب تحول إلى موسيقى
التقى بليغ حمدي بوردة الجزائرية، وكانت علاقتهما من أكثر العلاقات الفنية والإنسانية شهرة في الوسط العربي.
وفي عام 1972 تزوج الاثنان، لتبدأ رحلة استمرت نحو ست سنوات، قدم خلالها بليغ لوردة مجموعة من أشهر ألحانه، من بينها «العيون السود»، و«خليك هنا»، و«حنين»، و«حكايتي مع الزمان»، و«دندنة»، وغيرها من الأعمال التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الغنائية العربية.
لكن الزواج لم يكن هادئاً دائماً، وانتهى بالانفصال، وظلت أسباب الطلاق موضع روايات متعددة، من بينها ما نُسب إلى وردة نفسها من أن المطربة السورية ميادة الحناوي كانت إحدى أسباب الخلاف.
وبعد الطلاق، عاش بليغ فترة في فرنسا، وهناك ارتبط اسمه بحالة من الحنين إلى وردة، حتى إنه أرسل إليها أغنية «بودعك»، في واحدة من أكثر الحكايات تأثيراً في قصة علاقتهما.
زيجات وعلاقات أثارت الجدل
قبل وردة، تزوج بليغ من أمينة طحيمر، وهي فتاة من الإسكندرية، إلا أن الزواج لم يستمر سوى نحو عام، وانتهى بالانفصال، ثم توفيت أمينة بعد ذلك إثر المرض.
كما ارتبط اسمه بخطبة الراقصة سامية جمال، لكنها لم تستمر سوى فترة قصيرة.
وتحدثت روايات فنية كذلك عن مشاعر نشأت بين بليغ وإحدى بنات الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأنه تقدم لطلب يدها، غير أن والدها لم يوافق.
أما علاقته بالفنانة صباح، فقد ارتبطت بحكاية طريفة تداولتها الصحافة الفنية. ففي إحدى السهرات التي جمعت عدداً من الفنانين والصحفيين في منزل المطربة المغربية سميرة سعيد، جرى تحرير عقد زواج على سبيل المزاح، ووقع عليه عدد من الحاضرين كشهود، قبل أن تتحول الحكاية في اليوم التالي إلى خبر صحفي عن زواج بليغ وصباح.
وسارعت صباح إلى نفي الأمر، مؤكدة أن ما حدث لم يكن سوى مزاح، وأنها كانت تقدر بليغ كصديق وزميل.
ميادة الحناوي.. علاقة فنية وعاطفية
كانت ميادة الحناوي من أبرز الأصوات التي ارتبط اسمها ببليغ حمدي، خصوصاً بعد عودتها إلى مصر وتقديمها عدداً من الأعمال التي لحنها لها.
وأصبحت علاقتهما موضع أحاديث واسعة في الوسط الفني، وتحدثت روايات عن زواج جمعهما بعد انفصال بليغ عن وردة، وهي روايات ظلت حاضرة في الكتابات التي تناولت حياة الموسيقار وعلاقاته.
وقد ترك بليغ لميادة عدداً من الأعمال التي أصبحت من علامات تجربتها الفنية، مؤكداً من خلالها قدرته الاستثنائية على اكتشاف الأصوات وصناعة الأغنية التي تليق بها.
سميرة سعيد.. زواج لم يكتمل
ومن أكثر الحكايات إثارة في حياة بليغ حمدي علاقته بالفنانة المغربية سميرة سعيد.
فقد تحدثت الأوساط الفنية عن علاقة عاطفية بينهما، ثم تطورت الأمور، بحسب الروايات المتداولة، إلى أن سافر بليغ إلى المغرب وتقدم رسمياً لطلب يد سميرة من عائلتها.
واستعدت العائلة لحفل الزفاف في الرباط، وحضر عدد من الفنانين والشخصيات العامة، قبل أن تحدث المفاجأة باختفاء بليغ وعدم حضوره الحفل.
وتقول الرواية المتداولة إنه عاد إلى القاهرة في الليلة نفسها، تاركاً سميرة وعائلتها في موقف بالغ الحرج.
أما تفسيره، بحسب ما نقل عنه مقربون، فكان أنه فعل ذلك لأنه كان يحبها، لكنه كان يرى أن حياته المضطربة وعاداته وسلوكه البوهيمي لن تكون مناسبة لها، ولذلك فضل الانسحاب على أن يجعلها تعيش معه حياة لا تستحقها.
موسيقار لا يشبه أحداً
بعيداً عن حياته الخاصة، كان بليغ حمدي مشروعاً موسيقياً متكاملاً.
استطاع أن يمنح الأغنية العربية لوناً جديداً، وأن يزاوج بين الموسيقى الشرقية وروح العصر، كما ترك بصمته في ألحان كبار المطربين.
ولم يكن بليغ مجرد ملحن غزير الإنتاج، بل كان يبحث دائماً عن التجديد، ويؤمن بأن الموسيقى الشرقية قادرة على الوصول إلى العالمية.
ومن آخر مشروعاته التي ظل يحلم بتحقيقها أوبرا موسيقية عالمية عن إخناتون، كان يريد من خلالها تجاوز حدود الأغنية المحلية وتقديم عمل مصري ذي طابع عالمي.
وبحسب رواية ابن شقيقه هيثم، كان بليغ قد بدأ بالفعل في جمع كل ما كتب عن إخناتون، كما اتصل بصديقه الموسيقي الفرنسي موريس، بحثاً عن موزع عالمي للعمل.
لكن المرض كان أسرع من المشروع.
باريس.. الأيام الأخيرة
في أيامه الأخيرة، كان بليغ يتلقى العلاج في أحد مستشفيات باريس، وكان ابن شقيقه هيثم ملازماً له.
ورغم مرضه، حاول بليغ أن يحتفظ بمعنوياته، وكان وجود أطباء وممرضين من المغرب وتونس والجزائر في المستشفى يمنحه شيئاً من الألفة والطمأنينة.
وكان يخرج أحياناً إلى باريس، ويتجول في الشانزليزيه، ويتفرج على واجهات المحلات، كما كان يقضي بعض أوقاته أمام التلفزيون، أو يكتب خواطره في أجندة لم تكن تفارقه.
لكن حالته الصحية تدهورت، وعندما أُبلغ بتقديم موعد إحدى الحقن، أدرك أن وضعه أصبح أكثر خطورة.
ويروي ابن شقيقه أنه دخل ذات مرة إلى غرفته فوجده رافعاً يديه إلى السماء، مستغرقاً في الدعاء والبكاء.
وحين سأله عما يدعو به، تحدث بليغ عن شاب مريض في الغرفة المجاورة، وقال إنه لا يريد أن يصل إلى مرحلة يفقد فيها قدرته على الاعتماد على نفسه.
كانت كلمات تختلط فيها رهبة الموت بالخوف من المرض والعجز، وتكشف جانباً آخر من شخصية الفنان الذي عاش حياته متمرداً على القيود، حتى في أكثر لحظاته ضعفاً.
وصية بليغ الأخيرة
وقبل رحيله، تحدث بليغ مع ابن شقيقه عن نهايته، وقال له إنه يشعر بأن أجله اقترب.
وبحسب الرواية التي نشرتها مجلة «الكواكب» عام 1993، أوصى بأن يدفن إلى جوار والدته، وليس في المقبرة التي كان قد اشتراها، كما طلب إعادة جثمانه إلى مصر على متن طائرات «مصر للطيران»، رغم أنه كان قد سافر إلى فرنسا على متن «إير فرانس».
ولم ينسَ حتى في تلك اللحظات مبلغاً صغيراً للشاعر عبد الرحمن الأبنودي، كان الأبنودي قد دفعه عنه ثمناً لبعض الاحتياجات قبل سفر بليغ على عجل، فأوصى بإعادة المبلغ إليه.
وعندما سُئل ابن شقيقه عن آخر ما قاله بليغ، نقل عنه أنه كان يشعر بالمرارة تجاه بعض أصدقائه الذين تخلو عنه في محنته، وقال إنه لو عاد به الزمن لعاش بالطريقة نفسها، لكنه كان سيختار أصدقاء مختلفين.
«مات ملك الموسيقى»
في 12 سبتمبر 1993، رحل بليغ حمدي في باريس بعد صراع مع المرض.
وفي اليوم التالي، نعته صحيفة «الأهرام» بعبارة اختصرت مكانته الفنية: «مات ملك الموسيقى».
وربما كان ذلك واحداً من أكثر الألقاب تعبيراً عن مسيرة موسيقار ترك وراءه مئات الألحان، وارتبط بأصوات كبار نجوم الغناء العربي، وعاش حياة حافلة بالحب والنجاح والخلافات والأحلام.
رحل بليغ حمدي قبل أن يرى أوبرا إخناتون التي حلم بها، وقبل أن يحقق كثيراً من مشروعاته، لكنه ترك ما هو أبقى من المشاريع: موسيقى ما زالت تُسمع، وألحاناً لم تغادر ذاكرة الناس.
المصدر: مجلة «الكواكب» عام 1993، مع الاستناد إلى الروايات المنشورة عن حياة بليغ حمدي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى