صوملك.. حين سبق التشخيصُ الرسميَّ بسنوات: تذكير بما قاله ولد محمدالحسن في 2019

الزمان أنفو (نواكشوط): في خضم النقاش المتجدد حول الوضعية المالية والفنية للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، وما تعيشه البلاد اليوم من انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، يبرز مجدداً ملف قديم لمعهد «مدد راس – 2IRES»، يسلط الضوء على تشخيص مالي نشره الدكتور محمد ولد محمد الحسن قبل سنوات من صدور تقرير محكمة الحسابات الأخير.
الدكتور محمد ولد محمد الحسن، رئيس معهد «مدد راس»، أعاد اليوم الاثنين 24 أغسطس 2026 نشر مقتطفات مما قال إنه تقارير ودراسات وتصريحات نشرها المعهد منذ 2019 حول وضعية «صوملك»، معتبراً أن ما تعيشه الشركة حالياً يؤكد، في نظره، صحة التحذيرات التي أطلقها آنذاك.
وكانت محكمة الحسابات قد خصصت في تقريرها السنوي المتعلق بسنتي 2022 و2023 محوراً للشركة الموريتانية للكهرباء، سجل مؤشرات مالية مقلقة، من بينها ارتفاع نسبة المديونية إلى 800% سنة 2022، مقابل 385% سنة 2021، وتراجع الأموال الذاتية إلى 17% فقط من الموارد الدائمة.
تشخيص سابق لتقرير الرقابة
ويقول الدكتور محمد ولد محمد الحسن إن معهد «مدد راس» كان قد حذر منذ 2019 من أن «صوملك» تفتقر إلى الوسائل ومثقلة بالديون، وذهب إلى وصف وضعيتها آنذاك بأنها «حالة إفلاس غير معلن».
وفي مادة نشرها المعهد سنة 2023، استناداً إلى معطيات مالية قال إنها تعود إلى نهاية 2019، أورد أرقاماً تتعلق بالخسائر والديون المتراكمة للشركة، من بينها خسائر متراكمة بلغت 67 ملياراً و155 مليون أوقية قديمة، وديون طويلة الأجل بلغت 186 ملياراً و269 مليوناً، وديون قصيرة الأجل وصلت إلى 63 ملياراً و932 مليوناً، إضافة إلى حساب انتظار بقيمة 2 مليار و360 مليون أوقية، بإجمالي ديون قدره 250 ملياراً و201 مليون أوقية قديمة.
ويعيد الدكتور محمد اليوم طرح هذه الأرقام لا باعتبارها مجرد سجال سياسي أو إعلامي، وإنما بوصفها ـ حسب تعبيره ـ محاولة مبكرة لقراءة الميزانية العمومية للشركة واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه إذا لم تتم معالجة الاختلالات البنيوية.
«كنت قد أديت واجبي»
وفي رسالة نشرها اليوم تحت عنوان «Dossier Somelec – ملف صوملك»، كتب الدكتور محمد ولد محمد الحسن أن ما كتبه وقوله ونشره سنة 2019 حول وضعية الشركة «سيساعد على فهم ما تعيشونه اليوم من ظلام»، معبراً عن اعتزازه بأنه «أدى واجبه».
كما أرفق بالملف مقتطفات من عمله المنشور بعنوان «2019–2023: Rien que la lutte contre la corruption et le combat pour ma patrie»، يتضمن جرداً لديون وخسائر عدد من المؤسسات والشركات العمومية، بينها «صوملك».
وبعيداً عن تقييم المواقف السياسية التي رافقت تلك المنشورات، فإن أهمية ما يطرحه الدكتور محمد ولد محمد الحسن اليوم تكمن في التسلسل الزمني للإنذارات: تشخيص مبكر لوضعية مالية صعبة، ثم استمرار الأزمة وتفاقم مؤشراتها، وصولاً إلى تقرير رقابي رسمي صدر بعد سنوات وسجل بدوره اختلالات مالية وهيكلية عميقة في الشركة.
لماذا يستحق هذا الملف اهتمام السلطات؟
إن إعادة فتح هذا الملف لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها محاولة لإثبات سبق شخص أو مؤسسة، بل باعتبارها فرصة للسلطات المختصة للعودة إلى الإنذارات والتشخيصات السابقة ومقارنتها بالواقع الحالي.
فتقرير محكمة الحسابات لم يتوقف عند المديونية فقط، بل سجل أيضاً ضعف السيولة، وتراكم مستحقات غير محصلة، ومشكلات في النظام المعلوماتي، واختلالات في الصفقات والتسيير والرقابة الداخلية.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف وصلت صوملك إلى هذه الوضعية؟ بل أيضاً: متى بدأت المؤشرات بالظهور، ومن كان قد حذر منها، ولماذا لم تتحول تلك التحذيرات المبكرة إلى إجراءات إصلاحية كافية؟
وهنا تحديداً تبرز أهمية ما يقدمه الدكتور محمد ولد محمد الحسن، الذي يقول إنه لم ينتظر تقارير الرقابة الرسمية ليطرح مشكلة «صوملك»، وإنما حاول منذ 2019 قراءة الأرقام واستشراف مآلاتها.
من «التحذير» إلى «الاستشراف»
قد تختلف الآراء حول بعض الأرقام أو طرق تصنيف الديون والخسائر الواردة في منشورات معهد «مدد راس»، ولذلك فإن نشرها لا يغني عن العودة إلى القوائم المالية المدققة والوثائق الرسمية.
لكن سبق إثارة الملف نفسه قبل سنوات من التقرير الرقابي الأخير يستحق التوقف عنده، خصوصاً أن محكمة الحسابات أكدت لاحقاً وجود اختلالات مالية وهيكلية خطيرة داخل الشركة.
ومن هنا، فإن «ملف صوملك» الذي يعيد الدكتور محمد ولد محمد الحسن طرحه اليوم يمكن أن يشكل مادة مهمة للسلطات ولأجهزة الرقابة، ليس فقط للتحقيق في أسباب الأزمة الحالية، وإنما أيضاً لدراسة مدى جدوى الاستفادة من الخبرات المستقلة القادرة على قراءة المؤشرات المالية واستشراف المخاطر قبل تحولها إلى أزمات عامة.
وفي ظل الظلام الذي تعيشه أجزاء واسعة من العاصمة والمدن الداخلية، تبدو المسألة أبعد من مجرد خلاف حول أرقام محاسبية؛ إنها قضية تتعلق بأمن الطاقة، واستمرارية خدمة أساسية، وحماية المال العام، ومستقبل مؤسسة وطنية حيوية.
وربما يكون أهم درس في ملف «صوملك» هو أن الإنذار المبكر، مهما كان مصدره، يصبح أكثر قيمة عندما يُسمع قبل وقوع الأزمة، لا بعد أن يعمّ الظلام.


