القاسم ولد بلالي.. حين تصبح الصراحة والشجاعة عنوانًا للسياسة

الزمان أنفو (نواكشوط): عرفتُ العمدة والنائب عن دائرة نواذيبو، السيد القاسم ولد بلالي، منذ تسعينيات القرن الماضي، وساندته في عدد من حملاته الانتخابية الماضية، كما أتيحت لي، بحكم العمل الصحفي، فرص عديدة للتعامل معه وطرح الأسئلة عليه ومتابعة بعض الملفات التي تهم المدينة وسكانها.
وخلال هذه السنوات، عرفت فيه رجلاً صريحاً، لا يميل إلى الأفعال الصغيرة، ولا يتعامل مع المال العام باعتباره غنيمة أو وسيلة للإثراء الشخصي. وكان، في كل مرة، يرحب بالأسئلة الصحفية، حتى تلك التي قد تكون محرجة أو فضولية، بل كان يخصص أحياناً من وقته لإطلاعنا على معطيات وأشياء ملموسة يرى أنها كفيلة بالرد على بعض الاتهامات الموجهة إليه.
ولذلك استوقفني مؤخراً ما أراه من صفحات ومنشورات تهاجم الرجل إلى درجة اتهامه بالفساد وغياب الشفافية في التسيير.
ومن حق أي مواطن أو صحفي أن يسأل وينتقد ويطالب بالشفافية، بل إن المسؤول المنتخب يجب أن يكون أكثر الناس تعرضاً للمساءلة. لكن الاتهام شيء، وإثبات الاتهام شيء آخر. وحتى الآن، فإن كثيراً ممن يوجهون إلى القاسم اتهامات خطيرة لم يقدموا، فيما اطلعت عليه، أدلة واضحة بحجم تلك الاتهامات.
والقاسم، لمن يعرف المشهد السياسي في نواذيبو، ليس رجلاً بلا خصوم. له أعداء كثر، داخل المدينة وخارجها، بل وحتى خارج البلاد، لأسباب متداخلة سياسية واجتماعية وغيرها. وقد يكون من بين أسباب الخصومة معه أنه هزم منافسين أكثر من مرة، ورفض بعض الأفكار العنصرية والانتهازية، ولم يساير دائماً من اعتادوا المنافسة السياسية بمنطق المصالح الضيقة.
لكن اللافت في تجربة القاسم أنه قلب، إلى حد بعيد، القاعدة التقليدية في السياسة.
فالأصل أن يسعى المترشح إلى استدرار عطف الناخبين، وأن يقدم لهم الوعود والتعهدات حتى يستميل أصواتهم. أما القاسم فقد ظل يكرر، بلهجته المعروفة وصراحته التي لا تخلو من حدة:
«ليس لدي شي أعطيه، ولن أتلفظ ب تعهد لا أستطيع إنجازه ..من منكم . مقتنع بي يصوت لي ومن ليس كذلك لا أريد صوته ».
قد نختلف مع الرجل في أسلوبه أو لغته أو بعض مواقفه، لكن من الصعب إنكار أن هذه النبرة من الصراحة والوضوح تركت أثراً لدى قطاع واسع من ناخبي نواذيبو، بمن فيهم فقراء وأشخاص لا ينتمون إلى قبيلته أو جهته أو لونه.
والسؤال البسيط هنا: لو كان الرجل، كما يقال، فاسداً ومستغلاً للمنصب ولا يحظى بثقة الناس، فكيف نفسر عودة الناخبين إليه في كل مرة؟
هل كل ناخبي نواذيبو يخطئون التقدير إلى هذا الحد؟ وهل يعقل أن يمنحوا أصواتهم مراراً لشخص يعرفونه مفسداً ولا يثقون في نزاهته أو أدائه؟
إن الانتخابات، مهما شابها من نقائص، تظل في النهاية نوعاً من الاستفتاء الشعبي على الأشخاص والمشاريع. والقاسم تمكن، في أكثر من مناسبة، من تجاوز منافسين أقوياء، بينهم سياسيون ورجال أعمال يمتلكون إمكانات كبيرة وشبكات نفوذ ودعماً سياسياً.
وليس معنى ذلك أن الرجل فوق النقد، أو أن نجاحه الانتخابي يمثل شهادة قضائية ببراءته من كل اتهام؛ فهذه مسألة تحسمها الوثائق والرقابة والقضاء، لا صناديق الاقتراع وحدها.
لكن من الإنصاف أيضاً ألا يتحول الخلاف السياسي إلى إدانة مجانية.
ومن خلال ما عايشته شخصياً، أعتقد أن جزءاً مهماً من شعبية القاسم ولد بلالي يعود إلى وقوفه إلى جانب الفئات الضعيفة، وتعاطفه مع البسطاء، ومحاولته خدمة سكان المدينة بما يملك من صلاحيات وإمكانات.
وهو، في البرلمان، معروف برفع صوته دفاعاً عن مصالح نواذيبو وعن قضايا يرى أنها تمس المصالح العليا للبلد، دون أن يتردد في الدخول في مواجهة سياسية حين يعتقد أن الأمر يتعلق بتجاوز أو فساد أو تضييع لمصلحة عامة.
وقد يكون طبعه حاداً أحياناً، وربما لا يروق أسلوبه للجميع، لكنه في مواجهة من يراهم مفسدين لا يعرف كثيراً من المجاملات.
وهنا تكمن مفارقة الرجل: قد تكون حدته السياسية إحدى أكثر صفاته إثارة للجدل، لكنها في الوقت نفسه جزء من الصورة التي صنعت له أنصاراً يرون فيه مسؤولاً لا يخشى قول ما يعتقد أنه حق.
ومن يعرف موريتانيا جيداً يعرف أن الفساد لا يجعل صاحبه دائماً أكثر عرضة للهجوم؛ ففي كثير من الأحيان تحمي الأموال والنفوذ أصحابها من المساءلة، بينما يصبح الشخص الذي لا يمتلك تلك الشبكات «حائطاً قصيراً» يمكن القفز فوقه في كل وقت.
لذلك، فإن الحديث عن القاسم ولد بلالي يحتاج إلى قدر من التوازن.
من حقنا أن نسأله عن المال العام، وعن التسيير، وعن المشاريع، وعن كل قرار اتخذه بصفته عمدة أو نائباً. ومن حق الصحافة أن تحقق وتدقق وتنشر ما تثبته الوثائق.
لكن ليس من حق أحد أن يحول الخصومة السياسية إلى حكم بالإدانة دون دليل.
وفي تجربتي الشخصية مع الرجل، ظللت أرى مسؤولاً صريحاً، متاحاً للصحافة، قريباً من الناس، متعاطفاً مع الفئات الهشة، شديداً في مواجهة من يعتقد أنهم يعبثون بالمصلحة العامة، ومتمسكاً بطريقة سياسية قد لا تعجب الجميع، لكنها حققت له ثقة شريحة واسعة من سكان نواذيبو.
والذين يمنحونه أصواتهم مرة بعد أخرى ليسوا مجرد أرقام في صناديق الاقتراع؛ إنهم مواطنون يعرفون الرجل عن قرب، ويعيشون معه تفاصيل مدينتهم، وهم الأقدر على تقييم ما تركه من أثر في حياتهم اليومية.
قد نختلف مع القاسم ولد بلالي، وقد ننتقده، وهذا طبيعي في الحياة العامة.
لكن بين النقد الذي يبحث عن الحقيقة، والاتهام الذي يبحث عن الإدانة، مسافة كبيرة.
والإنصاف يقتضي ألا نملأ هذه المسافة بالشائعات.

رئيس تحرير موقع الزمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى