من دلالات الاقتراع المثير

altرغم أن المنتدى كان مضطرا لمقاطعة المهزلة إلا أن هذه المقاطعة لم تكن بلا سلبيات ومخاطر، رغم فعاليتها، التي أجبرت النظام على التزوير، عن طريق التغاضي عن التصويت المتكرر والتحكم من قبل أنصار عزيز من رؤساء المكاتب في إصدار النتائج  على هواهم، كيفما شاؤوا..

حتى وصلت نسبة المشاركة إلى قدر غير مقنع، وتكررت نسبة 100% في بعض المكاتب في الداخل، كما تكررت النسبة المرتفعة جدا، القريبة منها.

أجل، تم التزوير فعليا.

قال أحد المقترعين في “يغرف” على طريق أكجوجت-أطار، صوت لعزيز أربع مرات، وغيري قد كرر هذه العملية السهلة إلى حد العشرين ربما.

قد يكون مبالغا في شأن الآخرين، إلا أنه كان صريحا معي في موضوع اقتراعه الشخصي، فقد صوت أربع مرات وببطاقات مختلفة، إذن الأمر متاح وسهل وبموافقة رؤساء المكاتب ومباركة السلطات وأعيان الموقع، هؤلاء الأعيان الذين ترتبط مصالحهم بمصالح الدولة، على حد تصريح “صاحبي”.

يقول “صاحبي” إن لم ينجح عزيز “إخلاو”.

إذن كانت معركة مصير، لحماية مصالح ضيقة، وأكد “صاحبي” أن عزيز وحده كان ممثلا في “يغرف” وفي غياب ممثلي بقية المرشحين.

مجرد عينة قس عليها كل المكاتب تقريبا إلا لماما.

مثلا سيدة في أكجوجت رفضت هذه الطريقة، وكانت رئيسة أحد المكاتب هناك، وقد يعني هذا أن بعض النسوة أكثر حزما على رئاسة المكاتب من بعض رجالنا الفاسدين المرتشين، الضعفاء أمام إرادة سلطات التزوير الفادح المدوي، وكان هذا الأسلوب، التصويت المتكرر، من أهم طرق التحايل على بطاقة التعريف بعد إنجاز بطاقة تعريف غير قابلة للتزوير. فأصبح هذا الأسلوب المؤيد من قبل بعض رؤساء المكاتب بالتغاضي، هو المنفذ الفعال، الذي حقق نتائج باهرة في انتخابات البلدية والبرلمان سابقا، في نهاية 2013، وكذلك اليوم في استفتاء 21 يونيو2014، الذي ساعد فيه ضعف المنافسة، فسهل تغييب ممثلي أغلب المرشحين، في أغلب المكاتب، لضعف قدراتهم، وتغلب الدولة طبعا بأموالها وهيبتها وهيلمانها، ولا غرابة.

فلا منافسة مع من يحكم البتة، خصوصا إذا كان عسكريا امتهن الانقلابات العسكرية والانتخابية بإتقان ملفت للانتباه، يستحق الكثير من التأمل والتعقل والحيطة، عسى أن نتخلص منه، فهو وباء وخطر، أي النظام الانقلابي المزمن، وبوجه خاص النموذج الذي يحكمنا منه حاليا.

أجل، لقد كانت مقاطعة المنتدى وحزب التحالف مع الكثير من المستقلين كانت سليمة، ودون بديل، لأن المشاركة تكريس للواقع واعتراف به صراحة وتشجيع له ضمنيا، إلا أن هذه المقاطعة لم تكن بلا مخاطر، فالمقاطعة أتاحت الفرصة للمتطرفين، للظهور انتخابيا وشعبيا، وعزيز على رأس هؤلاء المتطرفين، حين اتسم خطابه بالتحامل وتجريم بيرام وغيره، والتركيز على المعارضة الراديكالية، بأسلوب لاذع بعيد عن الاستعداد للتعايش السياسي السلمي، رغم الاختلاف وحتى المقاطعة، إنه ضعيف النفس -بفتح الفاء- ضيق المطعن والأفق، سهل العبارة الجارحة، ولا يبرر ذلك تحامل بعض رموز المنتدى على نموذجه في الحكم أو شخصه حتى، ليأتي أسلوبه على سبيل القصاص، فهو رئيس “يبر” بالحسانية”، ولا يليق به هذا الأسلوب، الذي شهد عليه الجميع، طيلة الحملة الخاطفة الباهتة.

لقد كان من الممكن أن يحدث دور ثان، لو شارك الجميع لنتخلص من نظام عزيز ونظام العسكر عموما، رغم صعوبة هذا الهدف النبيل المشروع الأخلاقي الناجع، إلا أن غياب المعارضة الراديكالية، أو تغييبها، سمح لهذا المتطرف بالبقاء لأطول مدة، وقد لا يتردد طبعا في خرق الدستور  بالعمل على توريث أحد أبنائه، على مذهب وبحجة إشراك الشباب، وقطع الطريق على العجزة.

فأهل موريتانيا الآن، أمام هذه المخاطر المحدقة، أكثر من أي وقت مضى، خرق الدستور أو توريث الحكم، ما المانع يا ترى، مع شعب ضعيف، قليل الوعي، أو مغلوب على أمره، على أحسن التأويلات.

كما سمحت مقاطعة المنتدى ومسعود، بظهور بيرام المتطرف، الذي يحمل خطاب بعض المتطرفين مثله، فوجدوا الفرصة سانحة، وعبروا عن وجودهم ومشروعهم الانتقامي التفكيكي، غير المتعقل، المبالغ في بعض مضامينه المؤسسة له، أي هذا المشروع، ليقفزوا إلى المرتبة الثانية بعد عزيز، ولو حصل ذلك مع فارق كبير جدا، إلا أن هذا لا يمنع من القول، لقد ظهر بيرام باختصار، مسعود أقل حدة وأكثر تجربة، ولا محل للمقارنة، والمتنطع، وجد الفرصة، وتحت ضغط المجتمع الدولي، والجهات المتطرفة من الغربيين والصهاينة، فترجم جهده إلى واقع انتخابي معتبر، وهذا الظهور الصاعق لبيرام، يضع الوحدة الوطنية في خطر، ويعزز كل أوجه التعجرف والتنابز والكراهية والإنعتاق الوهمي، فالعبودية كريهة، لكنها لم تعد بهذا الخطر، والأكثر آثارها، وليس من أخلاقية السياسة الأخلاقية، إن كانت للسياسة أخلاق أصلا، خصوصا يومنا هذا، أن تركب موجتها، أي العبودية، لتحويلها إلى مطمح سياسي، بدل التوجه الحقوقي المريب أصلا، والذي إن كان مشروعا افتراضا، فهو لم يخل عند بيرام من الاسترزاق والاستغلال المكشوف خطره، والذي سيتعزز على الوحدة الوطنية، والمنتدى ومسعود سيتحمل جزءا من هذه المسؤولية، بعد مسؤولية النظام، لأن الجميع عبر هذا الواقع السياسي الآسن، قد ساعد في ظهور بيرام، فالمتطرفون لا يجدون الفرص الذهبية إلا في غياب الرشداء والوسطية وتضاؤل الأجواء الإيجابية النقية.

لقد بات التوافق السياسي ملح، وعلى عزيز أن يدرك هذا الإلحاح رغم نجاحه المفبرك وتطرفه المعروف، ورفضه لحوار جاد حقيقي، لأنه لن يخدم بقاءه، وإن خدم الوطن، ولهذا السبب لن يستأنف الحوار، المطلوب باستمرار، بل صارت الحاجة إليه أكثر، وخصوصا بعد ظهور نتيجة بيرام، ونجاح صقور التطرف، على حساب المعتدلين، حتى من نفس الشريحة، على ضوء غياب مسعود وضعف بيجل، المتوقع أصلا، والذي ساعدت عليه عوامل الجو السياسي المتوتر، المرحب، بالتصادم بدل التحاور، والمرحب بالتنطع قبل الحساب والتحري وبث روح الأخوة والتعايش والتسامح، والبحث بقصد ووعي عن نقاط الالتقاء والتفاهم.

إن المجتمع الحالي، ينبغي أن لا يحمل بأوزار الماضي “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”

فالعبودية بشكل مباشر مارستها أمة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وإن لم يتحرك الرشداء، وبحكمة وصرامة، فسيحرك بيرام بقية الشريحة، وتشتعل حرب أهلية لا نهاية لها، فأول الحرب الكلام وأول النار شرارة، ثم اشتعال يتوسع إلى حريق شامل مدمر،   وما الواقع الحالي إلا مجرد قنطرة عبور إلى أفق داكن مظلم مفزع، قد لا يراه، إلا أصحاب العقول السليمة المتحررة.

إن بيرام مشروع فتنة، وزعيم حرب قادمة، وعزيز مشجعها ومستغلها، ولا تهمه بحق مخاطرها، ولعله مستعد وبعض أقاربه للرحيل –إن اشتعل- هذا الربع الغالي الحبيب، موريتانيا المسكينة.

فمن عرف أهله، في أقرب الآجال بالترحال ما بين “شيشاو” و”اللوكه” “دار مستى بوجه خاص”. لا يستغرب إن رجع إلى أحد المواقع أو غيرها، ويترك الآخرين يدفعون الثمن، ويهرب هو بالثروة، وقد يوقد الحريق في مكان آخر، وقد شهدت عقاراته بالمغرب على التحضير لهذا المستقبل أو الإحتمال غير المستبعد.

بيرام ينفخ النيران دون وعي أنها نار قد تحرقه هو و”شيعته”، قبل المستهدفين، محل الحنق والتحامل والاتهام الواسع بالاسترقاق.

عزيز لا ينتظر إلا النصيب والتنصيب، وكأننا نحن الآخرون، مجرد “بدون” فحسب.

إن هذا الواقع يستحق التأمل الطويل الحاسم، وبدون تأخير، كما يستحق إستدعاء الشرع والحزم مع العقل والتدقيق، فإن الصمت على هذه المحرقة الحالية والمحتملة، لا يجوز إطلاقا.

ولعل الطبيعة تفاعلت مع هذا الواقع، فلقد كان يوم الزوابع على الأرض مرتين، مرة واقعيا ومناخيا، ومرة سياسيا وأخلاقيا، فقد شهدت بعض مناطق موريتانيا في هذا اليوم 22-6-2014 جوا حار جدا مع الزوابع والعواصف الرملية التي حدت من الرؤية، خصوصا في الحوضين ولعصابة، أدى ببعض السكان حسب المعطيات المتوفرة للاستعانة بالمصابيح، حيث أن الأمر جرى نهارا جهارا، تماما مثل الحدث السياسي، لكن البعض لم يدرك وقد لا يرى قريبا خطورته، إن لم نبادر لدراسة الموضوع والحرص على تلافي بقية انعكاساته.

وبالمشاركة مستقبلا في اللعبة السياسية بوجه فعال حازم، حتى لا نترك الحبل على الغارب لعزيز وبيرام، دون تدارك لبعض مخاطر مشروعيهما الخطيرين الفاسدين الفاشلين.

لقد كانت هذه النتائج إعصار تزوير وتطرف فحسب، وعلينا أن نتوسع كل وفهمه في ترجمة وتأويل هذا الإعصار الانتخابي المزلزل المفزع، المؤشر للكثير من المخاطر على الديمقراطية والوحدة الوطنية وقيم الإسلام، خصوصا في ضوء تساهل عزيز مع أمر المسيئ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم التحذير في حملته من عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإستعداد بيرام للدفاع عن المسيء بعد حرقه الكتب، ومع انتشار موجة الإلحاد الفيسبوكي المخيف.

تحركوا يا مسلمين، ويا أهل موريتانيا الرشداء وسكانها الأصليين، الذين لن يرضوا الخروج منها مرتحلين بسهولة.

إن شيئا ما يحاك، ضد مصالح هذا البلد العربي المسلم، عن قصد أو عن غير قصد، جهلا وسفاهة، وإن ترك الأمر للجناح المتطرف دون مشاركة وتجاذب مفيد، فسينفرط العقد، فتحركوا من فضلكم، وبحكمة مع من يشكلون الخطر والتهديد، ولكن دون تنازل عن دور النصح الجريئ الفعال، قبل فوات الأوان.

لقد باتت سلطة موريتانيا، في يد عنيد متطرف لا يؤمن كثيرا بالمعايشة النافعة الحقيقية، ومعارضتها، عن طريق المشاركة المتمثلة في بيرام وأنصاره، تمثل طموحا نحو المجهول، الذي لا يخلو من مخاطر غير مستبعدة بالمرة.

إذن، كما قال عزيز، خرجت ولو ظاهريا المعارضة الحقيقية الراشدة، على رأي البعض من اللعبة، ولو مؤقتا، فكيف تعود، في غياب خيط المشاركة والمفضي سلميا، ولو بعد حين للتناوب السلمي على السلطة، عسى الخلاص، من حكم العسكر والمتطرفين من مختلف المشارب، والدخول في مشوار سياسي مخلص منقذ.

إن موريتانيا اليوم في يد المتلاعبين والمتطرفين، والباحثين عن النفوذ والمنافع الضيقة، في موج عكر هائج مضطرب، فلا تأمنوا أن يتحول هذا الإعصار السلمي ظاهريا الآن إلى إعصار مدمر، ولو بعد أيام أو أسابيع أو أشهر، خصوصا بعد تهديد البعض بعدم الاعتراف بالنتائج الانتخابية الحالية، الفارغة من المضمون الجاد والدلالة المبشرة المطمئنة، للأسف البالغ.

اللهم أحفظ موريتانيا وأهلها، رغم إختلافهم الأتني الجامع المبدع، والذي هو إبتلاء من الله وليس فرصة للتدابر والتنابز والكراهية، كما يبتغيه البعض، من السفهاء، والمستغلين –سلبيا- لهذا التنوع الطبيعي الرباني الملهم.

“إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”.

طبعا إن حكم عزيز في هذه المأمورية، فقد لا يخرج بسهولة من مسرح اللعبة، إما أن يبقى، والبقاء لله وحده، وإما أن يغادر دفة الحكم ليرجع من الباب الخلفي، على نهج بوتين، أو يعطيها لأحد العسكر أو الأبناء أو الأصدقاء المقربين، مثل ولد محم، المفتون بأمر ولد عبد العزيز، وكل هذا تكريس لأسر الشأن العام والاستعباد المباشر أو غير المباشر على الأقل، لأهل موريتانيا الطيبين البلهاء، كما ظهر من خلال هذا التوقيع المستمر، على ذبح الضحية وسلخها دون حياء أو تورع أو تفكير حازم واع، لقد دخل الجميع في أتون نفق غير معلوم النهاية والمصير القائم المروع، لا قدر الله.

لقد تضاعف الحمل وتفاقمت المسؤولية عن مسألة وجود ومصير هذا الشعب المظلوم المغبون، واستوجب الحال المزيد من التفكير الراشد والفعل الايجابي السريع، عسى أن تتم عملية إنقاذ استعجالية قبل استفحال الخطر المزدوج، العزيزي البيرامي، والاثنان وجهان لعملة واحدة، الأول عنوانه الحكم الفاسد الغاصب، والوجه الثاني عنوانه، تهديد اللحمة الوطنية والاستهزاء بالدين والعلماء، مع تساهل الأول الحاكم مع أمر المسيء المتطاول على عرضه صلى الله عليه وسلم، فكلهم سواء، في واقع التفكير المتطرف والتنفيذ المتعجرف الخاطئ، غير المستضيئ بنور الحكمة واستيعاب الآخر.

وقبل انتهاء المأمورية ستتضح قريبا معالم الدولة الموريتانية الجديدة، فإما إلى سقوط مؤلم غير مستبعد، في حكم العسكر أو التوريث لا قدر الله، وإما الخلاص بصعوبة من هذا المصير المتوقع، إن لم يتحرك الجميع بعقلانية ومسؤولية وسلمية، نحو أفق التغيير المأمول إن شاء الله، تأسيا بالتجربة التونسية، التي ابتعد فيها العسكر التونسي عن دفة الحكم وترك للسياسيين والمدنيين شؤون الأمر العمومي وتفاصيله، وهم على درب صعب المراس سائرون، لكنه، مثير للأمل والخلاص بإذن الله، من براثن الحكم الأحادي، المستبد الاستحواذي.

فهل ينطلق شعبنا يوما من عقاله نحو هذا الأفق وأحسن إن شاء الله، آمين.

ذلك ما نرجو ونعمل من أجله، عبر مثل هذا الخط التحريري الحازم الجريئ الرافض، ولو كره النفعيون والمتلاعبون بأمر هذه الأمة الموريتانية الغالية العزيزة.

ولا يمنع هذا من احترام المخالفين، رغم الحاجة الماسة لنصحهم، وإبعاد بعضهم عن منابر الحكم، الذي ثبت فشلهم في ميدانه، إن لم يغيروا أسلوبهم الانتهازي المفرق.

ومع وجود ثروات باطنية هائلة، تستعد موريتانيا يوما، بعد التغيير السلمي نحو حكم إسلامي مدني جامع شوروي، أو ديمقراطي على ذوق البعض “وأمرهم شورى بينهم”. أقول ستسعد فعلا موريتانيا، إن جمعت بين العودة التنفيذية لإسلامها والتشبث بعروته الوثقى وتطبيق الشورى والاستغلال الراشد لثروتها الهائلة، ووقتها ستضاهي تونس في الديمقراطية، والإمارات والسعودية في الثروة والغني بإذن الله، مع الأمن والأمان، وأما عزيز وبيرام والتصويت المتكرر، ومختلف صنوف التزوير، الظاهر والباطن، والتخويف والترغيب بمعاني الدولة ومقدراتها، أي الفشل الحالي، تحت ظل حكم العسكر، سنتجاوزه قريبا، إن شاء الله، فاصبروا وصابروا ورابطوا على ثغور الرفض السلمي الناصح، لله ولكتابه ولسائر المواطنين.

وحروفنا ستبقى دوما بعض آثارنا، ونكتبها لتبقى شاهدا وختاما مسكا، رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى