خاطرة من وحي عيد القوات المسلحة

25 نوفمبر، الذكرى 50 لقيام جيشنا الوطني، عيدا سعيدا و كل سنة و المؤسسة العسكرية بخير و عافية. مناسبة تثير الشجن و تبعث من الذاكرة خواطر و ذكريات عايشتها أو سمعت عنها. كنت حينها يافعة، في السنة الأخيرة ابتدائية، في مدينة وديعة، تتنافس على احتضانها أحزمة الرمال الذهبية و واحات النخيل الجميلة. لا أزال أذكر ذلك الاثنين 9 مايو 1976.

كان الوقت فجرا و على غير العادة، لم نستيقظ على الآذان، و إنما على أصوات المدافع و شهب الرصاص المتسابقة في سماء تلك المدينة الهادئة، كان أول هجوم عرفته شنقيط في حرب الصحراء. كانت بداية حكاية المدينة مع الثكنة و الكتيبة و الجنود و الضباط و السيارات و أجهزة اللاسلكي العسكرية و حركة لا تعرف الهدوء. قبل هذا التاريخ لم نكن نعرف من العسكر إلا مجموعة من الحرس لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، لا أزال أذكر منهم ، حميدات رحمة الله عليه الذي استشهد في هجوم آخر على المدينة شتاء 1977، و حادي ولد أعمر الذي توفي رحمة الله عليه في أكتوبر الماضي. كانت حرب الصحراء وجعا و ألما لكل الموريتانيين، و لكنها كانت أشد وقعا و أكثر تأثيرا على مدينتي و على سكان الشمال عموما، ليس لأن أغلب المعارك دارت هناك، و إنما لأن المتحاربين تربطهم أواصر القربى و الأرحام و الجوار. و رغم التجربة المريرة لتلك الحرب فقد عرفنا من خلالها، ماذا تعني الجندية و رأينا كيف يكون الانضباط و النظام. رأينا سرعة الاستجابة. تعرفنا على ضباط و جنود على قدر كبير من الفتوة و الشهامة و الأخلاق. أذكر منهم أول قائد لكتيبة الدرك التي استقرت في المدينة، الملازم خليهن، من منحدري مدينة عيون العتروس، كان شابا مثقفا يتحلى بأخلاق عالية، استشهد على أطراف المدينة و هو يطارد المهاجمين مقبلا غير مدبر، أواخر يوليو أو بداية أغشت 1977، و هو مدفون بالمدينة و قد تعودت أن أمر بضريحه للترحم عليه كلما زرت مقبرة شنقيط. منهم المرحوم، الملازم أول أو النقيب محمد فال ولد المرابط (شامخ)، كان قائدا شجاعا و خاض آشرس و أطول معركة عرفتها المدينة ، امتدت من الضحى حوالي الساعة الثامنه و النصف أو التاسعة صباحا و حتى الثانية زوالا، و لولا دخول قواته فجرا للمدينة ، قبيل اندلاع المعركة، لتعزيز القوات المقيمة بها لسقطت لكثرة عدد القوات المهاجمة و قوة سلاحها و تنوعه. في هذه المعركة بالذات عرفنا حربا حقيقية، بين منازلنا، تدور رحاها، سقط فيها بعض المدنيين، منهم ابن عم شقيق لوالدي و هو بمثابة عمي، المرحوم محمد عبد الله، الملقب بلاهي ولد محمد الحافظ ولد محمد فال، و هو أحد متصوفة التجانية الكبار. جرت هذه المعركة في آخر العطلة الصيفية سبتمبر على ما أعتقد 1977. لا أزال أتذكر بعض آثار تلك المعركة منها الفتحة الكبيرة التي تركتها إحدى القذائف، و التي كادت أن تسقط إحدى غرف منزلنا. في هذه المعركة سمعنا لأول مرة هدير المدفعية الثقيلة، و أصواتا للرصاص المكثف لم نألفها قبل، كانت الأرض تهتز من تحتنا. كانت ساعات صعبة تحسبها دهرا. في فترة حرب الصحراء، سمعنا عن معارك عين بنتيلي و تورين و غيرها. سمعنا حكايات و قصص لبطولات و قادة و ضباط شجعان، أتذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر المرحوم اسويدات، المرحوم احمد ولد بوسيف، المرحوم محمد ولد عبد القادر (كادير)، المرحوم المصطفى ولد محمد السالك، المرحوم جدو ولد السالك، المرحوم ابو ولد المعلوم، و من الأحياء محمد خونه ولد هيداله، البطل الأسمر كما يصفونه حينها محمد ولد لكحل، معاوية ولد سيد احمد ولد الطائع وغيرهم. أسماء هؤلاء حفظناها لكثرة تردادها في الأهازيج الشعبية و اشويرات الظل. رغم الجدية و الطبيعة الخاصة للقادة العسكريين، فقد كان منهم من يملك روح الطرافة و الدعابة، و لعل كافا للمرحوم اصنيبه ولد اصنيبه، يشكو فيه عادة خاصة عند سائق معه، يسميه لمعدل، خير مثال على ذلك: امعدل لمعدل يلكوم ///// و الناس الل هو منها غير ألا ماهو معصوم ////// ولاهو كاع كريب منها.

رب أمن على هذا البلد بالخير و العافية و العدل و المحبة و السلام.

 

فاطمة محمد المصطفى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى