صوت الفرح!

الشيخ محمد حرمة يكتب:

صوتُ الفرح !

كُنا أطفالًا، يصيبنا المطرُ بجنون الفرح، فنغادر القرية مع ساعات الصباح الأولى، نطارد الكثبان الساكنة، والمشبعة برائحة النبع القادمة من السماء، نصعد التلال العالية، ونمارس بفرح عارم «التزلج» على قطع من أكياس البلاستيك، نصرخُ.. ثم ننقلب على وجوهنا لتقبلنا الرمال بحب كبير !

في ذلك اليوم، غزونا كل التلال الواقعة شمال غربي القرية، وتركنا خطوطًا مستقيمة تُرى من بعيد، ثم نزلنا الوادي الموالي، نتسابق نحو الرياض التي خلفها المطر، نتقافز فيها ورائحة النبع تشيعنا، وأشعة الشمس تلسعُ أجسادنا النحيلة حين تطفو على السطح، نتقلب بمتعة كبيرة بين برودة الماء ودفء الشمس.. بعيدًا عن القرية التي تركناها خلفنا على بعد كيلومترات.

علقنا ثيابنا على أغصان الشجر، وجلسنا ننتظر، اقترح أحدنا اقتحام «الحرث» القريب، قال إن فيه البطيخ والفستق، اعترض آخر وقال إن ذلك سرقة و«السرقة حرام»، ضحكنا من جبنه، وحزمنا أمرنا على دخول «الحرث» المحصن بأكوام من الأغصان الميتة والشوك.. ولكن صوتها جاءنا من بعيد.. زغردة كأنها صوتُ السماء !

الزغردة الأولى فاجأتنا وأصابتنا بالذهول.. الثانية صرخنا بعدها ونحن نلتفت جهة القرية: «ماريةُ».. الثالثة ثم الرابعة.. مع الزغردة الخامسة كنا نركضُ ونطارد الصدى القادم من بعيد، كنا نعلم أن «زغردة ماريةُ» هي صوت الفرح.. هي إعلانُ الأشياء الجميلة.. إنها فاصلة في زمن القرية الرتيب !

طويلٌ نَفَسها، مصقولةٌ حنجرتها، يخرج صوتها صافيًا، حين تزغرد فهي تغني، تنفخُ من روحها، تنفثُ من ذاتها بكل حب، حتى أصبح الفرحُ لا يكتملُ دونها.. مع الزغردة السادسة كنا نصعد التلَّ المطل على القرية، ننزل متقافزين بفرح، يحملنا صوتها عاليًا !

وصلنا «بيت الفرح» مع زغردتها السابعة.. كانت تقف بقامتها الفارعة، وملامحها الحادة والجميلة، وبشرتها القمحية التي تختزن تاريخًا من مقاساة الحياة بكبرياء، ترفعُ يدها برشاقة، تحركها مع تموجات الصوت، وكأنه يخرج من يدها وليس من فمها، تختم الزغردة الأخيرة بانحناءة يشيعها تصفيق النسوة المنتشيات فرحًا.

تعلنُ «ماريةُ» الفرح وتنسحب بهدوء نحو بيتها في طرف القرية، ككل نسوة «لحراطين» العظيمات، تقضي جل وقتها في العمل والكسب الحلال.. مُسالمة ومُسلمة.

أمس.. توفيت «ماريةُ».. غاب صوت الفرح.. سكتت العصافير وبكت.. فلترحمها يا الله ولتغفر لها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى