يوميات عاشقة الضفة/محفوظة زروق

هذه الزاوية نقدمها لقراء "الزمان أنفو" ومتذوقي الأدب، وستكون من روائع التدوينات التي تنشر السيدة محفوظة، التي حباها الله بملكوت القص وامتلاك ناصية اللغة والادوات اللازمة لاقتحام الكتابة..

الزمان أنفو – ذكرتْ الصحف والأخبار ارتفاع منسوب مياه نهر السين لدرجة أن القوارب لم تتمكن من العبور أسفل الجسور وبما أن الإعتراف هو سيد الأدلة فإني- تحت شعوري بالذنب وتأنيب وصراخ الضمير -أكتب اعترافي بأنني المسؤولة الأولى عن فيضانات نهر السين.

وقفتٌ فوق هذا الجسر ذات يوم، استودعتٌ النهر أسراراً أخفيتها عن الأخرين، أمطرتٌ قلبه بأحزان وهموم تجاهلتها الضفادع والحيتان، تراكمتْ كالزبد على مر الأيام ففاض بها النهراليوم.

كم مرة تأملتٌ الشروق وماء النهر يعكس الشمس تلصق قرصها الأصفر على سطح السماء في مشهد يطغى على كل صنوف الجمال وأنا أبكي للنهر دماً كبكاء شجرة الحور! كم مرة وقفتٌ على ضفافه وقت الغروب أناجي الشمس ألا تغيب وهي تتوارى كاللص الهارب تاركة خيوط الشفق تكتب على سطح السماء خواطري وجنوني بحروف مازلتٌ على سلالمها أتعثر في صراع محتدم بين واقعي ومسيرة بوحي التي يقودها قلم متمرد يسكب الحبر مكبلاً بأغلال يريد تكسيرها لينثر على صفحات قلوبكم ما يشاء!

كم مرة أومض النهر تحت أشعة القمر ورأسي بين يدي أتأملٌ طبطبة الماء الذي يعكس قسمات وجهي وما سطرتْ عليها الحياة من حروف بينما يتجمع عشاق العالم فوق جسر الفنون ليعلنوا الحب في شكل أقفال رٌميتْ مفاتيحها في النهر بعد أن تحاور الجميع وتم الإتفاق على أن الحب جحيم تخرج في أصله شجرة الزقوم فيتجمع تحتها العشاق ليصنعوا من آلام الماضي تمثالاً فوق جسر الفنون.

كم مرة نصبتٌ أرجوحةً للنوم بين مخالب الخوف في جزيرة العشاق حيث يدق حفيف الأشجار ناقوس الحزن كأنه ينبهني أن دخول هذه الجزيرة أمر غير مأمون العواقب فأحتميتُ بأحضان النهر لأغتسل من همومي ومشيتٌ على ضفافه دون هدى والثواني تمضي من أمامي لتحول حاضري بسرعة إلى ماض مزعج يفرض نفسه وقت ما يشاء.

ركبتُ قارباً بلا ربان وعبرتٌ لأعرض الماضي للبيع في سوق الضفة الشمالية للنهر لعلي أشتري بثمنه غداً مشرقا فكان الماضي في السوق بضاعة مزجاة بينما تذاكر النسيان باهظة الثمن واليوم رجعتٌ للنهر فوجدتٌ الناس تبني مسافة آمان بين باريس و نهر السين فبعثت ٌللنهر رسالة اعتذار عبر البريد:

عذراً يا نهر! فما قصدتٌ إيذاءك وقد كُنتَ من أروع النعم المسخرة لي! وما أحداث اليوم إلا وليدة ماض لن أقع بعد الآن في فخه بل سأتدرب على النسيان حتى ولو كلفني الأمر أن أصمتَ فربما يكون الصمتٌ نسيان، أو أقيم جداراً بين قلبي وذاكرتي وأرمي مفاتيح القلب حيث رُميتْ الأقفال فلا تغضب يا نهر وهات همومك أحملها فوق همومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى