الكاتب الموريتاني و التحديات التي تواجهه

الكاتب الموريتاني و التحديات التي تواجههالكاتب الموريتاني و التحديات التي تواجهه هو الموضوع الذي سوف أحاول  التعرض له بشكل مقتضب في إطار هذه الورقة. و قد تبدى لي أن أقارب هذا الموضوع من خلال:

ـ أماءة سريعة إلى ماهية الكتابة و بواعثها و مراميها

ـ إلقاء بعض الإمضاءات على عملية الكتابة ذاتها و العوامل المحفزة عليها ضمن المجتمع الموريتاني التقليدي

ـ  التعرض بإيجاز إلى أوضاع الكتاب الموريتانيين و الإكراهات و الضواغط التي يعانون منها في السياق الوطني الحالي و انعكاسات ذلك على الكتابة كأهم نشاط  يستهدف إنتاج المعرفة و تنمية التراث و بلورة الفكر و تطوير العلوم  و الفنون بمختلف أنواعها و أبعادها  

العراقيل و التحديات التي تواجه الكتاب الموريتانيين و تعيق إقبالهم على الكتابة و تفرغهم لها ضمن السياق الاقتصادي و السوسيوثقافي  السائد حاليا و في ظل الذهنية  و المسلكيات و المنظومة القيمية التي افرزها السبل الكفيلة بتخطي هذه العقبات و رفع تلك التحديات

 

 الرهانات التي من شأن الكتابة كوسيلة لإنتاج المعارف و تنمية التراث أن تساعد على كسبها و رسملتها للنهوض بأوضاع البلاد على كافة الصعد.

المبحث الأول:  ماهية الكتابة و بواعثها

 

 يمكن تعريف عملية الكتابة بأنها نشاط ذهني و ممارسة فكرية تتمثل في تسجيل دقيق و تدوين ممنهج يقوم به بعض الرجال و النساء لثمرة تجاربهم و حصيلة مداركهم و خلاصات تأملاتهم و زبدة الاستنتاجات والآراء و الأفكار  و الاعتقادات و الرؤى التي تتكون لديهم تبعا لما قد ألموا به من معارف و ما قد اطلعوا عليه من علوم و فنون و ممارسات و أداءات مختلفة.

و عملية الكتابة لا يمكن أن تكون عبثية لا ترمي إلى بلوغ غاية  أو تحقيق هدف، بل هي عمل هادف يرمي إلى الوصول إلى غرض محدد سلفا. فالكاتب يتوخى جدوائية  و مرد ودية  مادية أو معنوية أو روحية من وراء عمله.

المبحث الثاني : الكتابة في المجتمع الموريتاني التقليدي ، دوافعها و أغراضها و الصعوبات التي كانت تواجهها.

 

 كان المجتمع الموريتاني التقليدي في غالبيته العظمى مجتمعا بدويا يتسم نمط حياته بالترحال و الإنتجاع و انعدام الأمن و شح الموارد مع ما ينجم عن ذلك من عدم الإستقرار و غياب الطمأنينة. كما أن محيطه الجغرافي كان عامل عزلة يحد من تواصله بالبلدان المجاورة له في الشمال و في الجنوب.

و بالنتيجة كان الحصول على الكتب صعبا و التوفر على وسائل الكتابة من ورق و حبر و أقلام  ووسائل الحبك و الطباعة محدودا ، كما أن الظروف المعيشية  و المناخية  الملائمة للكتابة لم تكن متوفرة على الوجه المطلوب. ورغم هذه العوائق و الإكراهات، كان هناك إقبال على التعلم و نزوع إلى اكتساب المعرفة و اهتمام بالعلوم و الثقافة، و كان هناك العديد من الرجال و النساء اهتموا بالكتابة و التدوين و التأليف. و ما كان ذلك ليكون لولى أنه كانت لديهم دوافع و حوافز تجعلهم يتحملون ما تستلزمه عملية الكتابة  من نصب و مشقة و معاناة. فما هي المحفزات التي كانت تدفع المؤلفين الموريتانيين حين ذاك إلى الكتابة ؟ أعتقد أن ماكان يدفع المؤلفين الموريتانيين  الى تجشم عناء الكتابة يتمثل أساسا في :

البحث عن الأجر و الثواب المأمولين من وراء تفقيه الناس في شؤون دينهم ووعظهم  و إرشادهم و إفتائهم  في ما يعرض لهم من نوازل و ما يتوقون إلى معرفته من الأحكام الشرعية المنظمة لمختلف جوانب حياتهم وذلك انطلاقا من الاعتقاد بحرمة كتم المعرفة  وفقا للقول المأثور ” من كتم علما علمه  ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة” نشر الرأي المتصل بالمذهب و الطريقة الصوفية التي يعتمدها الفقهاء بغية تسويغها و الترويج لها من خلال تدوين المساجلات و المناظرات و المحاججات.

ج –  التوق إلى الشهرة و احتلال  المكانة السامقة وصولا إلى استقطاب الكثير من التلاميذ و المريدين خدمة للدين و المذهب و ربما للطريقة الصوفية المعتمدة. د – الحظوة عند أولي الأمر و صناع القرار محليا و جهويا ( الأمراء الحليين و ملوك البلدان المجاورة). ه – الاستجابة لرغبة ذاتية جامحة للبوح و التعبير عما يختلج في النفس من أفكار و أحاسيس يشعر الكاتب بدافع قوي  إلى تقاسمها مع الغير  و جعلها في متناول جميع الناس. المبحث الثالث:  الكتاب و الكتابة في السياق الموريتاني الحالي  يواجه الكتاب و ما يتوخون القيام به من كتابة ضمن السياق الموريتاني القائم اليوم العديد من العراقيل و الإكراهات و التحديات، من شأنها أن تحد من تطور الكتابة  ومن اتساع نطاقها و أن تضعف الاهتمام بها و الإقبال عليها. وتتمثل هذه التحديات في : ا – الأمية الأبجدية و الحضارية المتفشية في البلاد ب – صعوبة توفر الظروف الملائمة للكتابة نتيجة لنمط الحياة السائد في المجتمع الموريتاني ( تعذر خلو المرْء بنفسه ليتمكن من التأمل و التفكير و الكتابة)

قلة دور الطباعة و النشر و التوزيع و ارتفاع كلفة طباعة الكتب

د- ضعف المقروئية و ضآلة مردودية الكتب بالنسبة للمؤلفين ه- انعدام المحفزات من أي شكل كانت و- ضعف اهتمام السلطات العمومية بالشأن الثقافي و تهميش الكتاب و المثقفين و عدم العناية بهم. ز- مفعول تتأثير وسائل الاتصال الحديثة كالتلفزيون و الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ( فيس بوك-تويتر-س م س..).  و الذي يزيد و يفاقم مفعول هذه العوامل هو قيام مجتمع استهلاكي خاضع  للإعلان و الإشهار  وواقع تحت سلطة الفضائيات و ما تقدمه من مسلسلات خرقاء و برامج سمجة تنزع إلى السطحية و الابتذال و تهدف أساسا إلى الترفيه و التسلية و الفرجة أكثر منها إلى التوعية و التثقيف و التوجيه و بلورة الفكر النقدي المتبصر. و لا شك أن ما يزيد الطين بلة هو الضعف المريع لمستوى التعليم في البلاد و ما قد انجر عن ذلك من  غياب البحث العلمي و انعدام الإبداع الفني  و الابتكار العلمي و الاختراعات التكنولوجية. و الشيء الذي يدعو إلى الحسرة و التأسف  هو غياب الوعي  بالخطورة البالغة لهذه الأوضاع على مستقبل البلاد و على وتيرة انزياحها نحو التقدم و الإرتقاء و التحضر.

 

المبحث الرابع : سبل مواجهة هذه التحديات                      

 

                                         إن أول إجراء ينبغي  القيام به من أجل تحضير الأرضية المواتية  للكتابة  و خلق المناخ الملائم لبروز الكتاب و تنمية مواهبهم و قدراتهم  هو إصلاح المنظومة التربوية الوطنية و تعزيز البحث العلمي.

كما أنه ينبغي أن تولي السلطات  العناية القصوى  للشأن الثقافي من خلال الاهتمام بالكتاب و تحفيزهم ماديا و تشجيعهم معنويا و تكريمهم و الرفع من شأنهم اجتماعيا.

و يتوجب كذلك على السلطات الوطنية أن تسهل على الكتاب طبع و نشر و توزيع مؤلفاتهم و أن تجعل الكتابة و إنتاج المعارف و العلوم و الفنون نشاطا مربحا و مجديا و مثمنا و مقدرا حتى تستنهض همم أصحاب  المواهب و ذوي الكفاءات  و المبدعين في كل مجال من مجالات المعرفة، و ذلك سعيا إلى جعل التألق الذهني  و التميز الفكري  و التفرد الفني هي انجع السبل إلى إحراز النجاح و نيل التقدير في المجتمع.

 و على السلطات المختصة في البلاد أن تقوم بدعم و مآزرة المكتبات و إنشاء دور للقراءة على امتداد التراب الوطني و مواكبة نشاطاتها.كما أن عليها تشجيع و دعم إقامة معارض للكتب الموريتانية مما سوف يحفز المؤلفين الموريتانيين  على بذل المزيد من الجهود في مجال الكتابة و التأليف.

ولا ريب أن صرف  الجوائز للمؤلفات المتميزة في مختلف المجالات من شأنه هو الآخر أن يعطي دفعة كبيرة للكتابة و حركة التأليف في البلاد.

المبحث الخامس: الرهانات التي يجب كسبها

 

إن الكتابة كوسيلة لإنتاج المعرفة و بلورة الثقافة و تنمية التراث الوطني  هي عا مل من عوامل التنمية الاقتصادية و النهوض الاجتماعي و الارتقاء الفكري، ذلك أن الثقافة هي رافعة اقتصادية بالغة الأهمية و تشكل بصفتها تلك أحد أهم عناصر  الثروة الوطنية. ففي القرن الواحد و العشرين لم تعد موارد البلدان و مصادر ثرائها تتمثل في ثرواتها  الطبيعية و المعدنية و الحيوانية، بل  فيما تتوفر عليه من معارف و خبرات و كفاءات  و تقنيات. فالإقتصادات الرائدة اليوم هي اقتصادات المعرفة و المجتمعات المتفوقة  هي مجتمعات المعرفة، كما أن الرساميل  المثرية والمنافسة هي الراساميل البشرية العالية التأهيل.  و من هذا المنطلق فإن الجهود التي يجب بذلها من أجل مسايرة اشتراطات العولمة و مواكبة متطلبات الحداثة و اللحاق بالأمم المتقدمة و من أجل كسب الرهانات المفضية إلى النهوض و التقدم  فإنه يتوجب القضاء على الأمية بكل أشكالها و ردم  هوة الرقمنة  و اعتماد تقنيات الإعلام و التواصل المتطورة و إقامة مجتمع المعرفة. ولا مراء في أن الطريق إلى هذه الأهداف أللإستراتيجية  تمر حتما بتعزيز و تثمين الكتابة و دعم و مؤازرة الكتاب و تكريمهم و الرفع من شأنهم بصفتهم رأس مال  وطني ثمين  تحتاجه البلاد للنهوض الاجتماعي والنماء الاقتصادي  و التطور التقني و العلمي و الارتقاء الفكري و الرقي  الحضاري. نواكشوط 2 دجنبر 2013.

 

محمد الأمين ولد الكتاب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى