الرئاسيات في أجواء غياب المصداقية

altينتظر أن تجري الانتخابات الرئاسية في موعدها -حسب ما يفهم- من تصريحات الناطق الرسمي المفوه، ولكن هذه الانتخابات لا ينتظر أن تعطي أملا في انفراج الأزمة السياسية القائمة، لأن المرشح عزيز -في هذه الأجواء المحدودية الشفافية- قد لا يجد صعوبة في إعادة الكرة، لينصب نفسه من جديد رئيسا على المغلوبين على أمرهم من سكان موريتانيا.

 

فالإحصاء الانتخابي على ذوق النظام دون شراكة مع الفرقاء السياسيين.

 

واللجنة الانتخابية جربت خدمتها ميدانيا، لتبين عن الضعف الشديد والانحياز المكشوف، ووزارة الداخلية لم ترفع يدها تماما عن العملية الانتخابية، والناخبين من العسكر موجهون بامتياز لصالح التصويت للنظام، والأرقام خير دليل وشاهد في هذا الصدد.

 

والثروة والإدارة تخدم إلى جانب خيارات النظام، إذن من يترشح في هذه الأجواء المتميزة بقمة غياب الشروط والضمانات، لن يمثل إلا تمريرا حقيقيا لمرشح النظام محمد ولد عبد العزيز باختصار. ولا وجه للمقارنة مع البلديات والنيابيات المنصرمة، في مجال أولوية المقاطعة، لأن ترك البرلمان كله للنظام مخاطرة بمستقبل موريتانيا إلى مجهول خطير، قد لا تدري حدوده إلى أي مستوى قد تصل.

 

أما مقاطعة الرئاسيات المرتقبة اليوم، فهي الأجدى لمحاصرة النظام الانقلابي المتغلب الفاشل، عسى أن يفكر في مآلات العزلة والتوحد، فقد لا يصبر طويلا قطعا، ليمد لسانه لاهثا ويده طالبا لحوار حقيقي جاد، ليس كما سبق.

 

أو يسير في تيه لا نهاية له إلا السقوط، فيفقد أوراقه رويدا رويدا، ويتوقف تلقائيا.

 

إن إغلاق الأبواب والنوافذ على أهل على هذا البلد ليبقوا ردحا من الوقت تحت نير الاستبداد الثقيل، لا يقل ضررا عن حقبة الاستعمار الفرنسي، خصوصا مع تواصل فقدان الأمل في إقامة انتخابات نزيهة تزيح الظلام أو بعضه على الأقل، وهذا الوضع يستدعي من السياسيين عموما، وخصوصا المعارضين منهم، عدم المشاركة في مهزلة الانتخابات الرئاسية المرتقبة، فهي أدهى عاقبة وأمر مصيرا.

 

وينبغي أن يحاسب أنصار النظام أنفسهم في حالة تمزق البلد أو انفلاته الأمني، بسبب طول الحرمان والتضييق على حقوق وحريات هذا الشعب، حتى أن الأمر وصل إلى منع التظاهر السلمي والتبضع في الطرقات، الذي يمارسه البعض تحت ضغط الفقر وغياب القدرة على دفع الإيجار الغالي.

 

إن إقامة بلديات وبرلمان ورئاسيات تحت الحراب وضغط الأموال والولاءات المدفوعة الثمن، أمر لا يفضي عادة إلا إلى أزمة أمنية وسياسية خانقة، وربما تكون مفاجئة للبعض.

 

فإلى متى نغض الطرف عن واقع الكبت وفرض سلطة الانقلابيين باستمرار.

 

لقد أسود الكرسي الرئاسي من كثرة أكل المال العام واستغلال النفوذ الرئاسي لصالح الأقلية، على حساب السواد الأعظم من الناس، فهل هذا هو العدل المنشود؟.

 

أما التسهيل لهذا الشخص ليواصل المهزلة، فهو سبيل غير قصير للوصول للمساواة وتكريس قيم الحق والإنصاف، ولن تترجم الانتخابات الرئاسية المتوقعة في يونيو من السنة الحالية إلا مهزلة حقيقية ينبغي أن لا يغتر بها أي أحد.

 

ورغم إدراك رموز المنسقية وقيادات حزب تواصل لهذه الحقائق، وعبثية الانتخابات الرئاسية القادمة، إلا أن البعض لا يستبعد مسارعة البعض من هذا الوسط المعارض الراديكالي إلى المشاركة بحماس في هذه المهزلة، فهل هو مجرد حب الظهور وحنين عميق للكرسي الرئاسي؟.

 

وقد تكون مصداقية هذه القيادات معرضة للمزيد من النقد والتناقص، إن أصرت على إعطاء جرعة مصداقية وهمية لهذا النظام المتهاوي من خلال المشاركة في انتخاباته.

 

إن أمل الموريتانيين في إقامة دولة ديمقراطية عادلة، يتمتع فيها سائر المواطنين بحظوظ وفرص متساوية تحت نظام شوروي يحكمه المنهج الإسلامي الشمولي، هذا الأمل جدير بكافة حملة الوعي أن يناصروه ويعزروه، بدل مساندة نظام عسكري، ذي شعار ديمقراطي.

 

ولن نتخلى عن هذا الأمل الجميل، الحقيقي بالتطبيق على الأرض، فمالنا لا نملك حق الأمل على الأقل، ونسعى عمليا لتجسيده.

 

وفي الحملة في يونيو اتركوه يلعب وحده، لعله ينتبه لعزلته المتصاعدة.

 

لقد بات تركيزهم واضحا على ولاية اترارزة، بعد فقد الدعم الشعبي هناك، وقد يصبون المال العام صبا، أملا في استرجاع ما فقدوه، ولكنهم فعلوا ذلك في الحملة البلدية والنيابية المنصرمة ولم يفلحوا، فهلا اتعظوا، وأدركوا أن التغيير الجذري السلمي قادم يوما ما بإذن الله.

 

وسيبقى كل مشارك مجرد منتفع أو مدفوع للتغطية على عزلة النظام، ومن دخل لساحة المشاركة في الرئاسيات من غير هذا الباب، فلا بأس بوعظه وتوجيهه، عسى أن ينتبه قبل التوغل في نفق التغرير والخديعة.

 

ولا يستبعد أن تتلطخ موريتانيا بالمزيد من العقد والأزمات بعد تمرير نجاح عزيز في السرك الرئاسي المرتقب في منتصف العام، فبلد يحكمه مدمن على اغتصاب السلطة واستغلال النفوذ، قد لا يتأخر كثيرا عن التردي في حمأة ارتدادات الأزمة السياسية الخانقة المتواصلة.

 

وللأسف من غير المستبعد في الأجواء الحالية، أن ينجح ولد عبد العزيز وبسهولة، فالنظام الاستبدادي أرهق الجميع ورجال الأعمال الكبار خائفون من الضرائب والابتزاز المتنوع الصريح، ولا مناص في حسابهم-الجبان بالطبع- من الدفع لإعادة اقتراع هذا الحاكم العسكري.

 

إذن النتيجة باتت شبه مؤكدة وواضحة، فلا داعي لمغالطة الرأي العام، بمشاركة لا جدوى من ورائها.

 

فلا انتخابات حرة ذات مصداقية في ظل هذا الحكم، ولا أعمال استثمارية مأمونة، ولا كرامة ولا حقوق للأسف. وسيحاسب التاريخ معشر المصفقين لهذا الحكم الجائر، لأنهم شرعوا الظلم، وضيقوا وصعبوا سبيل التغيير والعلاج نحو الأفضل.

 

“وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” سورة الشعراء.

 

أما تخجلوا أن يأمركم وينهاكم عسكري متغلب، أخذ السلطة عنوه مرتين أو ثلاث، وهو مستمر في عناده وغصبه للشأن العام؟.

 

إن هذا الهوان لا يرضاه لنفسه وأهله وشعبه إلا ضعيف الكرامة مريض الضمير.

 

إن الأحزاب والهيئات المناضلة سلميا للوصول إلى مستوى حكم ديمقراطي شفاف رشيد، ينبغي أن لا ييأسوا “إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”.

 

فعلا لقد أصبح الواقع بعيدا عن التسيير السليم الصحيح، لكن ذلك لا يعني اليأس وترك المحاولة والسعي الحثيث للتخلص من داء الدكتاتورية المقنعة، فتراكمات الأنظمة الأحادية وأخطاؤها الفادحة جديرة بالمساهمة في نقضها وإلغائها من مسرح التأثير.

 

وأدعو من هذا المنبر، الإعلاميين والسياسيين، التفكير جديا في موضوع هذه الانتخابات المفبركة، ومدى سلامة مقاطعتها، وإن ثبت لديهم هذا التوجه، فلتتعاون الجهود للقيام بحملات تحسيسية قصد إيصال الفكرة والموقف لجميع المعنيين، بطريقة مفهومة وفعالة، قبل أن يطبق النظام بفكيه على الأقل وعيا، فيوجههم كالمعتاد إلى مرماه ومبتغاه، ضاربا بذلك عرض الحائط بمصالح الأمة.

 

إن العيش في ظل سلطة مستبدة يعني الكثير من سهولة التسيب الديني والأخلاقي المثير، وهو ما نعيشه اليوم.

 

إن ديننا شديد الرفض للظلم والتكسب بالسلطة والنفوذ غير الشرعي، لكن الباطل طغى واستعصى، وربما أصبح من مصلحته أن يبتعد الناس عن مصادر منعتهم الفكرية والسلوكية.

 

إن الحاجة لحكم عادل أصبح ملحا، ونواقص تربية البيوت أصبحت جلية، ومستوى الاستهزاء بالتربية الإسلامية في منهجنا التعليمي الرسمي أضحى ظاهرا، وكل هذا فرع من أصل الأزمة السياسية التي تضرب بأطنابها في هياكل دولتنا المتخلفة الضعيفة.

 

إن كل خلل في الفهم يترتب عليه خلل في التطبيق والعمل، فإذا تمكنا من زمام الوعي السياسي والاجتماعي، فمعنى ذلك أننا على أعتاب مرحلة وشيكة من التغيير والنمو المعنوي والمادي، وعكس ذلك يعني طبعا البقاء على الوضع الآسن الراهن.

 

إن الانتخابات الرئاسية المنتظرة مجرد مناسبة للاستبداد لتشريع حكمه خمس سنوات قادمة من التمييز والمحسوبية وفساد الأقلية على حساب الأكثرية المظلومة المغبونة.

 

إننا مسؤولون جميعا عن هذا الوطن، وليس من اللائق أن نفكر فيما نراه مصالح خاصة دون الاكتراث بمعاناة الجميع.

 

فإن جرى الوضع دون مقاطعة فعالة فإن المآل الذي ستؤول إليه الأمور بعد الانتخابات الرئاسية قد لا يخدم الانفراج، بل قد يعمق الأزمة ويزيدها تعقيدا وتنوعا، أفلا نتأمل جميعا ونفكر من أجل الخلاص من هذا الركود والتعثر المتصاعد.

 

وبدون شك أو ريبة، الإصلاح صعب ويحتاج إلى طول النفس، لكن التخلي عن قضايا الوطن ودعم الأنظمة المستهزئة بحجة بعض الحسابات الضيقة أمر لا تزكيه العقول ولا المبادئ.

 

فيا صاحب بطاقة التصويت، أنت مسؤول عن جهة تصويت هذه البطاقة، لأنها تمثل رأيك النهائي في أمور الأمة والوطن.

 

إن الانتخاب والاقتراع ليس إلا تعبيرا عن رأيك في شأن عمومي حساس، فلا مجال للتلاعب والتهاون في هذا الموضوع، والموضوع الرئاسي بشكل خاص.

 

ألا تكون مقاطعة هذه الحملة الرئاسية أجدر، إن لم نتمكن من التخلص من المستبد بمرشح آخر، ليبقى هجر هذا الموسم الانتخابي العبثي أفضل لخدمة أمل ومشروع التغيير الذي يحلم به كل وطني شريف، حريص على ما يخدمه ويخدم الجميع بإذن الله.بقلم: عبد الفتاح ولد اعبيدن مدير ناشر ورئيس تحرير صحيفة “الأقصى”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى