ذاكرة طريق لايهدأ

من يوميات مسافر/ عبدالله لفتح

( الزمان أنفو _ داكار): وخلال لحظات الصمت التي تتخلل الطريق، تستعيد الذاكرة تلك الأسفار التي قطعناها معاً عبر مدن المغرب، كأنها شريط طويل يعبر الخلفية بينما يواصل الجسد سيره في اتجاه آخر. من رمال الداخلة التي تعانق المحيط، إلى صمت العيون الجليل، مروراً بـ الطاح وطرفاية حيث يتداخل تاريخ الرحّالة مع هدير الأمواج. ثم الطانطان وگليميم، حيث يقف الزمن بطيئاً كقافلة في استراحة، قبل أن ننحدر نحو أغادير الندية، ثم نرتقي سلالم مراكش الحمراء، ونلامس هواء الدار البيضاء المزدحم، وروح الرباط المتأنقة، ثم نطلّ على بحر طنجة بلسانين: واحد للأندلس وآخر للصقيع القادم من الشمال.
وحتى الجديدة — تلك القرية الصغيرة التي لا يذكرها المسافرون — بقيت في الذاكرة بنكهتها البسيطة وهدوئها الذي يشبه تنفس الأرض.

وفي السينغال، كانت المدن تمتدّ كلوحة حيّة: سينلوي بوجوهها المسترخية فوق النهر، وداكار باندفاعها وضجيجها الذي لا ينام. وهناك، بين الأسواق والمراكب والمقاهي الصاخبة، التُقطت بعض الصور التي سترافق هذا النص: صور من رصيف الميناء، ومن الأزقة حيث تلتقي الروائح والألوان، ومن المقاهي المطلة على الأطلسي.
كانت تلك الصور تمثل جزءًا من يوميات مسافر يحاول الإمساك باللحظة قبل أن تنفلت.

أما داخل الوطن، فالمسافات كانت رواية أخرى: من هدوء الشرق، إلى رمال الشمال، إلى سهول أدرار ووديان كيدي ماغه. وفي كل ولاية أثر صغير يخصنا: مجلس شاي أو قهوة استقبلنا ليلة ما، طريق رأيناه أول مرة، مشاركات في ملتقيات ثقافية، وأيام لا تُنسى مثل حضور «كرانس مونتانا» ولقاء صُدَفٍ كانت أهم من المواعيد نفسها.

وترافق هذا المقال أيضاً لقطات شاشة التُقطت على عجل خلال السفر: مكالمات مصورة قصيرة مع الأطفال وهم يرسلون ضحكاتهم من خلف الهاتف، صور للأصدقاء على طاولة إفطار مبكر في فندق بعيد، ورسائل متبادلة من مطارات المغرب والسينغال حين كنا نركض من بوابة إلى أخرى، أو ننتظر رحلات تتأخر دائماً بلا سبب واضح.
كل لقطة منها كانت بمثابة خيط يشدّ القلب إلى بيته، مهما ابتعد الطريق.

وكنا في الطريق عائدين من السنغال عبر معبر «جاما»، داخل سيارة المرسيدس كاوكاو، عندما بدأ الكاتب أحمد أمين يسرد — بإسهاب وعمق — حديثه عن فوضى «الأقلام المسروقة» في زمن الذكاء الصناعي، وعن هذا الطوفان من النصوص المنسوخة التي تُنتَج بلا روح وتُنسب لغير أهلها. كانت كلماته تتدفّق على إيقاع الطريق، فيما تمرّ أمامنا خنازير برّية (عرات) مثنى وثلاث، تختفي بسرعة بين مزارع الأرز والنباتات الكثيفة، كأنها تهرب من صخب العالم.

كانت عشرات الحمير (احمير تدرگين) تعترض الطريق فتجبرنا على خفض السرعة، فالطريق نفسه وعرٌ لا يسمح لسيارة صغيرة بالاندفاع. والمقطع الممتد حتى مشارف مدينة كرمسين يكاد يكون خالياً من المتاجر والمطاعم، فلا يعوّل المسافر إلا على الوصول إلى «تگند» قبل أن تنفد وجبة السمك بالأرز المحبّبة لدى كل عابر هناك.

وبينما كان الكاتب يسترسل في حديثه عن أخطار الذكاء الصناعي على الكتابة الأصيلة، كان يقطع سرده فجأة ليشير إلى بقرات تحاول عبور أضاة واسعة نشأت من فيضان النهر في الخريف الماضي، تتعاسر وتغوص أقدامها في الطين. ثم يضحك وهو يلتفت إلى حمار غامر بالنزول إلى الماء ليأكل نباتات غارقة، وقد غاص حتى كاد يغرق:
«هذا سيبقى هنا للأبد»، يقولها ساخراً، قبل أن يعود إلى حديثه الأول كأن شيئاً لم يكن.

يستشهد الكاتب بالفيلسوف الفرنسي مانويل سيرفيرا، القائل إن الذكاء الصناعي ليس التهديد الأول للكتابة؛ فكل ثورة تقنية — من الطباعة إلى الإنترنت — أثارت مخاوف مشابهة، لكنها لم تقضِ على الإبداع، بل أعادت تشكيله. المشكلة اليوم، كما يرى، ليست في «الغشّ» وحده، بل في أن أنظمة التقييم الأكاديمي والصحافي لم تواكب بعد واقعاً تُنتِج فيه الآلة نصاً مقبولاً خلال دقائق.

ومع ذلك، يذهب أحمد أمين إلى أن الحل ليس المنع، بل إعادة ضبط العلاقة مع هذه الأدوات. فالذكاء الصناعي يمكن أن يُعين الكاتب في جمع المادة وتنظيم الأفكار وتحليل النصوص، لكنه لا يستطيع أن يكتب بدلاً من تجربة الإنسان، ولا أن يلتقط تلك التفاصيل الصغيرة على الطريق:
خنزير يركض، بقرة تتعاسر، مسافر يلتفت نحو أطفاله في شاشة هاتف، أو حمار يغوص ليأكل ما لا يُؤكل.

فالكتابة الأصيلة لا تموت.
ما دام الكاتب يرى ويسمع ويشاهد ويعيش، فإن صوته سيبقى مختلفاً… مهما ارتفعت أصوات الآلات من حوله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى