قراءة تحليلية لمقال الأمين العام المساعد لاتحاد القضاة العرب الشيخ خليل بومن المعنون بـ «مقترح بإنشاء مجلس للسيادة والأمن القومي»،

بقلم محمدعبدالله:

(الزمان أنفو _ نواكشوط): أولًا: الإطار العام للمقترح
ينطلق المقال من تشخيص ضمني لخلل بنيوي في منظومات اتخاذ القرار في الدول العربية، خاصة في القضايا ذات الحساسية القصوى: السيادة، الأمن القومي، الموارد الاستراتيجية، والأزمات الوجودية. ويقترح إنشاء مجلس أعلى للسيادة والأمن القومي بوصفه هيئة فوق-قطاعية، تجمع بين الخبرة، والاستشراف، والتنسيق، وتجاوز منطق التشتت الوزاري.

المقترح لا يقدم مجلسًا استشاريًا تقليديًا، بل هيئة ذات وزن دستوري وسيادي، قادرة على التأثير المباشر في أخطر القرارات الوطنية.
ثانيًا: عناصر القوة في التصور
1. الطابع الاستشرافي لا التفاعلي
من أبرز ما يحسب للمقترح اعتماده منطق الاستباق بدل رد الفعل:
رصد المؤشرات قبل وقوع الأزمات
إعداد سيناريوهات محتملة وخطط بديلة
التعامل مع الكوارث الطبيعية والأوبئة بنفس عقلية الأمن القومي
وهذا تطور نوعي مقارنة بثقافة التدبير الارتجالي السائدة.
2. تكامل المعرفة والقرار
تشديد الكاتب على الاستفادة من:
المعطيات الإحصائية
المعلومات الدقيقة
الدراسات الواقعية والاستشرافية
يعكس وعيًا بأن الأمن القومي لم يعد عسكريًا فقط، بل اقتصادي، غذائي، بيئي، صحي، وديمغرافي.
3. عقلنة التمويل وتفادي الترهل
يقترح المقال:
الاستفادة من ميزانيات هيئات استشارية “عديمة المردودية”
عدم تخصيص رواتب لأعضاء المجلس من كبار الموظفين
تعويض الخبراء على أساس المهمة لا الامتياز الدائم
وهو توجه يحدّ من تضخم المؤسسات ويكبح الريع الوظيفي.
4. إدماج “مجلس الحكماء”
إسناد أدوار اجتماعية-رمزية لمجلس الحكماء (التعبئة، المصالحة، حل الأزمات) يفتح الباب أمام:
شرعنة القرار الصعب اجتماعيًا
تخفيف الاحتقان
استثمار الرأسمال الرمزي للنخب الوطنية
ثالثًا: مواطن الإشكال والجدل الدستوري
هنا يدخل المقال منطقة الخطورة السياسية والدستورية، لا من باب النوايا، بل من باب الصلاحيات المقترحة.
1. تضخم الصلاحيات السيادية
المجلس، حسب المقترح، يختص أو يؤثر في:
إعلان الحرب وإنهائها
التنازل الجزئي عن الحوزة الترابية
تأجيل الانتخابات أو تمديد المأموريات
حل البرلمان
تعيين رئيس الدولة في حالة الشغور
وهذه صلاحيات تمس جوهر السيادة الشعبية ومبدأ الفصل بين السلطات.
2. خطر التحول إلى “سلطة فوق دستورية”
حتى مع شرط “مواءمة القانون الدستوري”، فإن:
جمع هذه الصلاحيات في هيئة واحدة
ذات طابع أمني
وغير منتخبة
قد يفضي عمليًا إلى تقويض دور البرلمان، وإضعاف الرقابة الشعبية، وشرعنة الاستثناء الدائم باسم الأمن.
3. الإشكال الديمقراطي
تمديد المأموريات أو تأجيل الانتخابات بدواعٍ أمنية واقتصادية واجتماعية، دون ضوابط صارمة:
قد يحول الاستثناء إلى قاعدة
ويجعل الأمن القومي ذريعة لإدامة السلطة
وهنا يظهر توتر واضح بين منطق الدولة الحارسة ومنطق الدولة الديمقراطية.
رابعًا: القراءة في السياق الموريتاني (ضمنيًا)
بالنظر إلى واقع دول مثل موريتانيا، حيث:
حساسية ملف السيادة الترابية
تعقيد ملفات الصيد والتنقيب
هشاشة التوازنات الاجتماعية
فإن إنشاء مجلس بهذه الصلاحيات قد يكون:
فرصة لضبط الموارد وحمايتها من العبث
لكنه أيضًا مخاطرة إذا لم يُضبط دستوريًا بدقة، ويُربط برقابة برلمانية وقضائية حقيقية.
خامسًا: خلاصة تركيبية
مقال الشيخ خليل بومن يقدم تصورًا جريئًا وغير تقليدي لإدارة السيادة والأمن القومي، ويتميز بـ:
عمق تشخيصي
وعي استشرافي
إدراك لتشابك الأمن والسيادة والتنمية
لكنه في المقابل:
يغامر بتوسيع مفهوم الأمن القومي إلى حد ملامسة جوهر الشرعية الديمقراطية
ويحتاج إلى تحصين دستوري صارم حتى لا يتحول المجلس من أداة حماية للدولة إلى أداة تقييد لإرادة الأمة.
إنه مقال يفتح نقاشًا ضروريًا، لا ليُعتمد كما هو، بل ليُناقش بجرأة ومسؤولية.

اضغط لقراءة المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى