ملاحظات على الرسالة المفتوحة لنائب شنقيط: بين الحوار الوطني وحدود النص الدستوري

ا( الزمان أنفو – نواكشوط): ليست الرسالة المفتوحة التي نشرها نائب شنقيط بعنوان: «من آدرار يبدأ التشاور.. نحو حوار وطني شامل يتسع لكل القضايا» خطاباً عادياً، بل هي خطاب سياسي يتناول قضايا بالغة الحساسية، في مقدمتها الحوار الوطني، والتشاور الذي “لا يستثني أحداً ولا موضوعاً”، إضافة إلى ملفات دستورية دقيقة مثل المأموريات الرئاسية وسن الترشح.

أولاً: من حيث الشكل
ما قام به السيد النائب يدخل في إطار حرية الرأي والعمل السياسي.
فالنائب ليس مشرّعاً صامتاً، بل فاعل سياسي من حقه أن يطرح رؤاه، وأن يكتب رسائل مفتوحة، وأن يدعو إلى حوار وطني شامل. وهذا جزء طبيعي من الممارسة الديمقراطية.
ثانياً: من حيث الجوهر
غير أن النقاش هنا أعمق من مجرد ممارسة حق التعبير.
فوظيفة النائب الأساسية تقوم على ثلاث ركائز:
-تمثيل دائرته الانتخابية.
-التشريع وفق أحكام الدستور.
-الرقابة على السلطة التنفيذية.

وعندما يدعو نائب إلى “تحرير الحوار من القيود القانونية أو الزمنية” في مسائل مثل عدد المأموريات، يبرز سؤال سياسي ودستوري مهم:

هل دور النائب حماية النص الدستوري القائم، أم فتح نقاش قد يمس ثوابته؟
في الأنظمة التي تسعى إلى ترسيخ التداول السلمي على السلطة، تُعد المأموريات المحددة ضمانة أساسية ضد احتكار الحكم.

خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواد يُنظر إليها باعتبارها “محصنة”. لذلك فإن مجرد طرحها للنقاش — حتى مع التأكيد على عدم تبني موقف مسبق — يُقرأ سياسياً باعتباره تمهيداً لاحتمال تعديلها.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل يحق له أن يطرح الموضوع؟
بل: هل يعكس هذا الطرح أولوية ملحّة لدى المواطنين — من بطالة، وتعليم، وصحة، وغلاء معيشة ،امن — أم يركز على إعادة هندسة قواعد اللعبة السياسية؟

إذا كان النائب ينطلق من تمثيل هموم الناس اليومية، فإن الأولوية عادة تكون لتحسين شروط حياتهم.
أما إذا انصبّ الجهد على قضايا تتعلق بتمديد السلطة أو تغيير قواعد الترشح، فسيُفهم ذلك سياسياً باعتباره اصطفافاً أكثر منه تمثيلاً.

بين الخطاب الحزبي وفتح الملفات الحساسة
لو كان الخطاب حزبياً تقليدياً، لاكتفى النائب — وهو ممثل لحزب حاكم يحظى بأغلبية مريحة، وقد حصد في شنقيط مختلف المناصب الانتخابية في الشوط الأول — بالحديث عن إنجازات الحزب، وبعثاته الداخلية، ودعم رئيس الجمهورية، والحوار بشكل عام. وذلك حقه السياسي المشروع.
غير أن إدخال ملف “المأموريات” تحديداً يوحي بوجود رغبة في إعادة هذا الموضوع إلى المجال العمومي، بعد أن كان يُنظر إليه باعتباره شبه محسوم سياسياً ودستورياً.

-التمثيل المحلي والمسؤولية الوطنية:
صحيح أن النائب منتخب أساساً لتمثيل دائرته الانتخابية، ونقل مشاكلها والدفاع عن مصالحها، وهذه وظيفة جوهرية لا خلاف عليها. فمنح الثقة من طرف الناخبين يقتضي ترجمة ذلك في ملفات ملموسة: البنية التحتية، الخدمات، التشغيل، التعليم، الصحة…
لكن النائب ليس “مفوّض خدمات محلياً” فقط، بل هو عضو في سلطة تشريعية وطنية، أقسم على احترام الدستور وخدمة الشعب بأكمله. ومن ثم فله مستويان من المسؤولية:
محلياً: متابعة قضايا دائرته والدفاع عنها.
وطنياً: التشريع، ومناقشة القوانين الكبرى، والمساهمة في النقاشات السياسية العامة.

الإشكال لا يكون في حديثه عن قضايا وطنية، بل في اختلال الأولويات. فإذا غاب صوته عن مشاكل دائرته، وانشغل بقضايا تمس قواعد النظام السياسي نفسه، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال: هل ما زال يمارس دوره التمثيلي كما ينبغي؟

النص الدستوري أم التوافق السياسي؟
سياسياً، يحمل خطاب النائب معنى أعمق، يتمثل في نقل النقاش من “النص الدستوري” كمرجعية ثابتة، إلى “التوافق السياسي” كمرجعية أعلى. وهذا الطرح قد يُفهم منه أنه يمهد للمطالبة بتعديل بعض مواد الدستور.
غير أن الدساتير في الأنظمة المستقرة تُعد الإطار الحاكم للحوار، لا موضوعاً مفتوحاً بلا ضوابط. وأي اقتراب من المواد المتعلقة بالمأموريات، في سياق تاريخي حساس، يُقرأ في ضوء موازين القوة وطموحات السلطة.
خاتمة:
من حق النائب أن يدعو إلى حوار شامل،
لكن مسؤوليته الأخلاقية والدستورية تقتضي أن يكون حارساً لمبدأ التداول والاستقرار، لا أن يفتح الباب لتأويلات قد تُضعف الثقة في المسار الديمقراطي.
ومع احترامنا لحقه في التعبير، يبقى النقاش مفتوحاً حول ترتيب الأولويات، وحول ما إذا كانت المرحلة تقتضي معالجة هموم المواطن اليومية، أم إعادة فتح ملفات دستورية شديدة الحساسية.
مع تحياتي،
الإعلامي: أحمد عبد الرحيم الدوه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى