من التعددية إلى تعميق المؤسسات/ ديدي امحمد

( الزمان أنفو _ نواكشوط): في صيف عام 1990 ألقى الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران خطابه الشهير معلنا للعالم أن المساعدات الفرنسية ستربط بشرط الديمقراطية. بدا الخطاب وكأنه فجر جديد لإفريقيا لكنه في جوهره كان إعادة هندسة للوصاية، تحولًا من السيطرة المباشرة إلى ضبطٍ مشروط.
دخلت موريتانيا التي كانت لا تزال في طور تثبيت أركانها، مرحلة دستورية جديدة مع مطلع التسعينات، متأثرة بموجة عالمية عارمة أعادت تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. كان ذلك انتقالًا وليد اللحظة، يفتقر إلى بنية تحتية تتناسب مع وقع الحدث: مجتمع لم يستكمل تحوّله البنيوي بعد، لا تعليم راسخا ينتج مواطنا ناقدا لا مجتمعٌ متحضرا تُحكمه القواعد لا العصبيات لا صحةٌ عمومية تضمن كرامة الإنسان، ولا اقتصادٌ فعّال يخلق الثروة خارج الريع. ولم يكن هذا القرار وليد إرادة سيادية مستقلة بقدر ما شكل استجابة لبيئة دولية ضاغطة، إذ إن الدساتير لا تصاغ في فراغ، بل تتشكل في ظل سياقات دولية وإقليمية وداخلية متشابكة.
فعلى الصعيد الدولي الإقليمي جاء هذا التحول في أعقاب نهاية الحرب الباردة وتداعيات عاصفة الصحراء وما أفرزته من تحولات عميقة في موازين القوى إلى جانب دينامية قمة لابول التي كرّست خطاب الديمقراطية والتعددية السياسية في الفضاء الإفريقي. أما داخليًا، فقد كان ملف حقوق الإنسان حاضرا بقوة، بصفته أحد العوامل المؤثرة في إعادة ترتيب الأولويات السياسية وصياغة تعاقد دستوري جديد يستجيب لمتطلبات المرحلة. وفي هذا السياق، استلهم دستور 1991 في بنيته العامة فلسفة دستور الجمهورية الخامسة، لا سيما في اعتماده نموذجًا شبه رئاسي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، ويكرّس ثنائية السلطة التنفيذية بين رئيس الدولة والحكومة، ضمن إطار مؤسساتي يهدف إلى تحقيق الاستقرار السياسي.
غير أن تلك المرحلة ومالها من إيجابيات لن تخلو من مآخذ جوهرية في طبيعة نظام الحكم، إذ ارتبطت في بعض تجلياتها بتكريس النزعة القبلية في الفعل السياسي، وتشتيت الجهد التعليمي الذي أضحى يتأرجح بين التعريب والفرنسة، وانشغال النخب وأهل الرأي بالصراعات الانتخابية وقواعدها على حساب الانكباب على قضايا البناء الوطني الشامل. ومع ذلك فإن تلك الحقبة قد طويت صفحتها بعد احتقان شديد قاد إلى تحركات 2003_2004 لتدخل البلاد مرحلة من عدم الاستقرار السياسي وتمهد لانقلاب 2005 ودخول البلاد في مرحلة جديدة اتسمت بالعودة إلى الأحكام الاستثنائية خلال الفترة الانتقالية (2005–2007)، حيث أُعيد فتح نقاش حول مأموريات الرئيس ولم يبق النص جامدا بل خضع للمراجعة والتطوير. وقد تجلت هذه الدينامية في التعديلات الدستورية اللاحقة ولا سيما مراجعة سنة 2012 وتعديل سنة 2017، بما يعكس حركية النص الدستوري والبحث الدائم عن توازن أدق بين استقرار الدولة والانفتاح الديمقراطي، مع الحفاظ على قدرة المؤسسات على مواجهة التحولات الداخلية والخارجية بشكل فعّال.
وفي هذا السياق تتقدم فكرة الحوار الوطني الشامل بوصفها أفقا ضروريا ومسارا حتميا تفرضه طبيعة المرحلة وتحدياتها، إذ تمثل دعوة النظام القائم إلى جمع مختلف الفاعلين والمعنيين بالشأن العام خطوة إيجابية تعكس إدراكا لحجم المسؤولية ورغبة في توحيد الجهود وتجاوز الانقسامات بما يفضي إلى بناء توافق عام راسخ، على أن ينهض هذا الحوار على قدر عال من الجدية والوضوح والالتزام، بحيث يكون فضاء مسؤولا لتقريب الرؤى وبناء الثقة وصياغة حلول عملية تستجيب لتطلعات المواطنين، فيفضي إلى بلورة وثيقة جامعة تستوعب التحولات السياسية والمؤسساتية المتسارعة وتتفاعل معها بوعي ومسؤولية وتخدم مقتضيات المرحلة في سياقاتها المحلية والإقليمية بما يحقق الانسجام بين النص الدستوري وروح الواقع، وحتى إن استدعى ذلك إعادة النظر في بعض مواد الدستور فإن الغاية تظل واحدة وهي صون المصلحة الوطنية العليا وترسيخ استقرار الدولة وتعزيز قدرتها على الاستمرار
ويأتي هذا المسار في لحظة مفصلية تستعد فيها البلاد لمرحلة اقتصادية واعدة مع ما تحمله مشاريع الغاز والذهب من آفاق تنموية واسعة يمكن أن تشكل طفرة حقيقية في الموارد والإمكانات، وهو ما يستوجب تهيئة أرضية سياسية مريحة ومستقرة تضمن حسن إدارة هذه الثروات وتوجيهها بما يخدم التنمية الشاملة.
ويرتقب أن يشارك في هذا الحوار النظام والمعارضة وكل القوى الحية من منطلق الإيمان العميق بالوطن والحرص على مستقبله لا من زاوية الغلبة أو تسجيل النقاط أو استعراض موازين القوة، بل بروح الشراكة الوطنية الصادقة التي ترى في الاختلاف تنوعا يغني التجربة لا سببا للقطيعة، فالدولة لا تدار بمنطق المنتصر والمهزوم وإنما تقوم على التوافق حول قواعد مشتركة تحمي الجميع وتضمن تكافؤ الفرص وتؤسس لثقة متبادلة بين مختلف الأطراف، لأن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه طرف واحد مهما امتلك من أدوات السلطة، بل تنسجه إرادة جماعية واعية بقيمة التعايش السياسي وقواعد متفق عليها تكفل استمرارية المؤسسات وتحصن الوطن من أزمات الانقسام والتجاذب.
وخلاصة القول أن هذا الحوار جاء في سياق ظرف دولي آخذ في التشكل، وفي إقليم يواجه تحديات أمنية واقتصادية متشابكة، مع تنامي ظاهرة الهجرة غير النظامية بما تحمله من أبعاد إنسانية وتنموية، إلى جانب حاجة مجتمعنا إلى مزيد من الانسجام وتعزيز اللحمة الوطنية، الأمر الذي يجعل التفاهم والتلاحم بين مختلف الفاعلين الوطنيين ضرورة موضوعية لا خيارا سياسيا عابرا، باعتبارهما المدخل الأساسي لتكريس فكرة أن الدستور يظل أداة حية لتنظيم الحياة العامة وتطويرها بما يستجيب لحاجات المجتمع ومتطلبات المرحلة وبناء دولة مدنية قوية قادرة على حماية مكتسباتها واستثمار فرصها، وذلك عبر رؤية جامعة وقواعد مشتركة تنبع من خصوصيتنا الوطنية وتستحضر مصالح الأجيال القادمة، بما يضمن استمرارية الدولة ويعزز تماسك المجتمع ويجعل من الحوار إطارا دائما لتجديد العقد الوطني وتحصين المسار الديمقراطي.
ومع إطلالة الشهر العظيم، نسأل الله أن يجعله شهر خير ووئام ومحبة بين أبناء هذا الوطن.
رمضان كريم، وصوما مقبولا، ووطنا مزدهرا بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى