المذكرة الصغيرة: إزرمل
مشهد من الذاكرة/ عبدالله محمدبون

( الزمان أنفو )
كان للماء في طفولتنا بشنقيط طعمٌ يُحفظ كما تُحفظ الوجوه.
لم يكن ماءً عاديًا، بل إزرمل… ماءً يصب من قِربةٍ جديدة، ما تزال تحتفظ بسرّ الجلد ورائحة الطلح.
كانت القِربة تُصنع من جلد ماعزٍ أو نعجة، يُعالج بالدباغ وورق الطلح خمسة عشر يومًا كاملة، حتى يقوى ويشتد عوده، فلا يفسد ولا يخون أصحابه في سفرٍ أو قيظ.
لكن الماء، في أيامه الأولى، كان يحمل أثر تلك المعالجة: طعمًا قابضًا خفيفًا، ولمحة صفرةٍ خجولة، ورائحةً تشبه ظلّ شجرةٍ في هجير الصحراء.
كنا نشربه فنبتسم، كأننا نختبر صبر القِربة وهي تتعوّد علينا، ونتعوّد عليها.
ومع الأيام، يهدأ الطعم، وتصفو الرائحة، ويصير الماء ماءً كما نعرفه… لكننا كنّا نشتاق إلى تلك البداية، إلى دهشة “الإزرمل” الأولى.
في البادية، لم يكن الماء مجرد حاجة، بل حكاية جلدٍ شُدّ بالحبال، وورق طلحٍ سُحق ليمنح القِربة مناعتها، ويدٍ خبيرةٍ تعرف كيف تحوّل جلدًا طريًا إلى وعاءٍ للنجاة.
الإزرمل… ليس طعمًا فحسب، بل علامةُ حداثةٍ وبداية



